"الإرادة" الوطنيّة

العدد الثالث عشر جانفي 2010

صندوقا الضمان الإجتماعي إلى أين؟

أطلقت المنظمة النقابيّة للإتحاد العام التونسي للشغل صيحة فزع إزاء التّدهور المطرد لوضعيّة كل من الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أمام استفحال إنخرام توازناتهما الماليّة وتفاقم عجزهما.

وما زاد في قلق النقابيين هو إمكانية أن يلتهم صندوقا الضمان الإجتماعي مدّخراتهما الماليّة في أجل لا يتجاوز سنة 2014 بالنسبة لصندوق الضمان الإجتماعي وعام 2015 بالنسبة لصندوق التقاعد والحيطة.

أثبتت الأحداث أن الزيادة في نسبة مساهمات  المؤجرين والأجراء معا لفائدة صندوقي الضمان الاجتماعي لم تعد كافية لسد عجزهما وتفادي إفلاسهما، وللتذكير وقع الترفيع في تلك المساهمات في العشريّة الأخيرة مرّتين الأولى تمت سنة 2002 والثانية سنة 2007 ولم يمكن قرار الدّولة القاضي بمراجعة شرطي الإحالة على التقاعد بالترفيع في شرط السن إلى 57 عاما عوضا عن 55 وفي شرط مدة العمل من 35 سنة إلى 37 سنة من تحسين الوضعية. ولم يكن بمقدور القرار القاضي بتحديد سقف الجراية التي تتمتّع بها البنت التي تكون في كفالة والدها من إيقاف تدهور العجز.

المعلوم أن نظامي الضمان الإجتماعي في تونس يقومان على الطريقة التوزيعيّة أي على تضامن مختلف أصناف وأجيال الأجراء المشتغلين والمضمونين الإجتماعيين. وبالتالي فإن نوعيّة المنافع والخدمات التي يقدمها صندوقا الضمان الإجتماعي وحجمها واستمرار تسديدها والتوازنات الماليّة للصندوقين مرتبطة وثيق الإرتباط بوضع إقتصاد البلاد وبالتشغيل وبمداخيل الأجراء.

فكلما ازداد حجم الإستثمار العمومي أو الخاص وطالما واصلت المؤسسات المشغلة نشاطها وحافظت على توازناتها كثرت فرص التشغيل وبالتالي تدفّقت المساهمات الاجتماعية لصندوق الضمان الاجتماعي. ويرتفع حجم مداخيلها مع تحسن مداخيل الأجراء من رواتب وأجور ومنح.

والعكس بالعكس أي أن نظام الضمان الإجتماعي يتقلّص متأثرا بالأزمات أو بالصعوبات الإقتصاديّة وبتراجع مستوى التشغيل وانتشار أنماط التشغيل الهشّة وبغلق المؤسّسات وما يصحبها من تسريح العمال أو إحالتهم على التقاعد المبكّر وبتجميد الأجور أو الزيادة فيها بمقادير ضئيلة.

ما هو حجم عجز صندوق الضمان الإجتماعي وما هي أسبابه وما هي الحلول الممكنة لتجاوز وضعهما ، تلك هي الإشكاليات التي سيحاول هذا المقال التطرق إليها.

1) تفاقم عجز صندوقي الضمان الإجتماعي

أبرزت دراسة قام بها الإتحاد العام التونسي للشغل أن صندوقي الضمان الإجتماعي يشكوان عجزا مستمرا  منذ عام 2005.

ارتفع عجز الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة من 27,865 م.د سنة 2005 إلى 37,968 م.د في السنة الموالية إلى أن بلغ 38 م.د عام 2007 (وهو رقم غير نهائي) علما وأن مداخيل هذا الصندوق كانت تفوق التكاليف بـ 49,310 م.د (عام 2002) و1,767 م د (عام 2003) و11,384 م د سنة 2004 .

أما عجز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فإنه تطور من 9 م.د عام 2005 إلى 70,92 م.د سنة 2007 أي أنه تضاعف ما يقارب 8 مرات خلال عامين.

ويعزى سبب هذا العجز في الصندوقين أساسا لعجز المسجل في أنظمة التقاعد التي يشرف عليها كل واحد من الصندوقين.

 

1-                             نظام التقاعد التي يسيرها صندوق التقاعد والحيطة

 تتسم أنظمة التقاعد في هذا القطاع وخاصة منها النظام العام بعجز متواصل منذ 2005 مثلما يبرزه الجدول الموالي:  (الوحدة مليون دينار)

السنة

2001

2002

2003

2004

2005

2006

2007

المداخيل

578,953

651,606

747,298

843,631

907,865

987,959

1119,778   

التكاليف

591,757

666,627

737,136

825,766

920,776

1033,177

1163,383

الناتج الفني المباشر

12,804-

15,021-

+10,162

+17,865

12,911-

-45,218

-43,605

 

 

 

 

 

 

 

 

وتشير نفس الدراسة إلى أن الاحتياطي الفني لأنظمة التقاعد (وهي الأموال الاحتياطية الموظفة في السوق المالية وفي الإقتصاد والمخصصة لمجابهة الحالات الصعبة والأزمات) بالنسبة لعام 2007 لا يغطي شهرا واحدا من تكاليف الجرايات علما وأن الحد الأدنى لهذه التغطية يجب أن يكون 36 شهرا حسب معايير منظمة العمل الدولية.

وتؤكد نفس الدراسة أن المؤشر الديموغرافي (عدد الأجراء المباشرين بالنسبة لمنتفع واحد بجراية) لم ينفك يتراجع حيث بلغ 3,2 عام 2007 مقابل 3,26 في سنة 2007.

2) أنظمة التقاعد التابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

يسيّر هذا الصندوق 10 أنظمة للتقاعد ويمثل نظام التقاعد للأجراء العاملين في القطاع غير الفلاحي أهم نظام إذ يشمل لوحده 70% من المنخرطين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وتعتبر سنة 2002 منطلق عجز هذه الأنظمة ليتصاعد حجمه على مر السنين حسب الجدول التالي (الوحدة مليون دينار):

 

السنــة

حجم العجز

2005

161,535

2006

224,457

2007

220,399

 

 

 

 

 

وهذه المبالغ تفوق بكثير العجز المتوقع سنة 2002 والذي كان مقدرا بـ35 م.د فقط.

 أما بقية الأنظمة التي يشرف على الصندوق فهي تشكو كذلك عجزا.

هذا وسجل تراجع للمعدل الديموغرافي من 4,56 إلى 4,44 وهو مرشح لمزيد من الانحدار إذا استمر وضع الاقتصاد التونسي وحالة سوق الشغل على ما هما عليه الآن.

لكن وضع الاحتياطات الفنية التي يتمتع بها هذا الصندوق هو أحسن مما عليه احتياطات صندوق التقاعد والحيطة الإجتماعية إذ تمكن من مواجهة نفقات 30 شهرا من تكاليف جرايات التقاعد. لكن هذا لا يجب أن يؤدي  إلى التفاؤل إذا تواصلت وتيرة العجز وما دامت اسبابه قائمة.

II- أسباب عجز صندوقي الضمان الاجتماعي

 إن عجز الصندوقين هو نتيجة عدة عوامل لعل أهمها:

1)            ارتفاع أمل الحياة لدى التونسيين: كان معدل أعمار المواطنين سنة 1956 لا يتجاوز 46 عاما وأصبح يفوق 70 سنة عاما فأمل الحياة لدى النساء يبلغ 76 عاما و 73 عاما بالنسبة للرجال.

2)            تحمل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لمهام وأعباء لا تدخل في إطار مهامه الأصلية والغرض الذي أنشئ من أجله علما أن أطرافا ليس لها علاقة بالصندوق تتمتع بعدد من تدخلاته وهذا يعني ببساطة الإنحراف بالصندوق عن مهامه الأصلية حتى وإن كان البعض من التدخلات المذكورة يندرج ضمن التضامن الاجتماعي.

3)            التصرف غير العقلاني وغير المجدي في الاحتياطات الفنية وفوائض الأنظمة الاجتماعية ويبدو أن توظيفات أموال الصندوقين لم تكن مدروسة بالقدر الكافي الأمر الذي حرمهما من عائدات مالية إضافية هامة.

4)                             تراكم الديون الراجعة للصندوقين وغير المستخلصة وتتمثل هذه الديون في سداد الأعراف للمساهمات.

نشير إلى أن عددا لا بأس به من الأعراف يذهب أحيانا إلى التهديد بغلق مؤسساتهم في وجه الأجراء إذا ما أصر الصندوق على استخلاص ديونه ومع الأسف كثيرا ما تتدخل بعض الجهات الادارية لدى الصندوق لاسعافهم بتأجيل استخلاص الديون.

5)            النقص الحاصل في التصاريح المقدمة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتي تهم خاصة نظام الأجراء المستقلين ونظام الأجراء العاملين في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي وهذا النقص يهم الأجور أو العدد الحقيقي للأجراء أو تاريخ بداية العمل.

6)            تراجع وتيرة الإنتدابات في القطاعين العام والخاص وانتشار الأشكال الهشة للتشغيل وتدني أجور عدد لا بأس به من المضمونين الاجتماعين كعمال الحضائر وعاملات المنازل والأجراء الموسميين.

7)            تسريح عدد هام من الأجراء واحالة الآلاف منهم على التقاعد المبكر عن طريق لجنة إعادة هيكلة المؤسسات العمومية (CAREP) أو للجنة المركزية لمراقبة الطرد في القطاع الخاص.

هذه إذن أهم أسباب الوضع المالي الذي تردى إليه الصندوقان فهل تتوفر الامكانية لمعالجته؟

هناك حسب رأينا إجراءات عاجلة يجب اتخاذها إذا كانت هناك نية في إنقاذ الصندوقين وهي مرتبطة ارتباطا كليا بأسباب العجز وهي كفيلة بتقليص العجز ومنها:

1)            حصر صندوق الضمان الاجتماعي في المهام الأصلية التي بعث من أجلها مع تحديد تدخلاته الإجتماعية لفائدة المنخرطين به لا غير.

2)            إحكام توظيف الأموال الراجعة للصندوقين لضمان المردودية القصوى لها مع تجنب المضاربات الخطيرة التي تضر بتوازناته المالية.

3)                             استخلاص الديون المستحقة من طرف الصندوقيين.

4)                             مقاومة التصاريح الكاذبة مقاومة ناجعة واستخلاص ما يترتب عنها من خطايا.

لكن هذه الإجراءات على أهميتها تبقى غير كافية لوحدها بأن تعيد للصندوقيين توازنهما المالي ويبقى العامل المحدد لتحقيق هذا الهدف هو تنشيط سوق الشغل وهذا يستوجب نهوضا كبيرا للإقتصاد التونسي وإعادة النظر في أنماط التشغيل السائدة والحفاظ على مواطن الشغل ومراجعة نظام الإحالة على التقاعد وغيرها من الإجراءات.

 ولا نخال أن اللجوء إلى زيادة جديدة في نسب اشتراكات الأجراء والمؤجرين هو الحل السليم إذ اثبتت التجربة أنه لا يمّكن من تجاوز العجز الذي يتخبط فيه الصندوقان علاوة عن كونه سيضر بالمقدرة الشرائية للأجراء وبالتوازنات المالية للمؤجرين.

كما أن إدخال الرسملة في أنظمة الضمان الاجتماعي التونسية أو الترفيع في سن التقاعد حلان لا يمكن حتى مجرد التفكير فيهما، فالرسملة هي شكل من أشكال الادخار وهذا الأخير يفترض أن يحصل الأجراء على أجور ذات بال وهو أمر غير متوفر حاليا. أما الترفيع في سن التقاعد فهذا سيؤدي إلى سد باب الشغل أمام الشباب خاصة.

ويبقى إذن اللجوء إلى التمويل العمومي عبر ميزانية الدولة لأنظمة الضمان والحيطة الاجتماعية من الحلول الممكنة بل الضرورية لإنقاذ الصندوقين وتفادي عجزهما على دفع الجرايات لمستحقيها.

  أبو حيفــا

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org