"الإرادة" الإقتصاديّة

العدد الثالث عشر جانفي 2010

هل تجاوزت البلدان الرّأسماليّة الكبرى الأزمة؟

 

كثر الحديث عند نهاية العام الماضي عن استعادة نسق النمو في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وبلدان الإتحاد الأوروبي لحيويّته بعد أن زعزعت الأزمة الماليّة العالميّة ثم الأزمة الاقتصادية العالميّة اقتصاديات تلك البلدان.

وبدأت تعود النبرة التفاؤليّة لدى مسؤولي تلك البلدان وانطلق الخبراء الاقتصاديون لدى مختلف الدّوائر الماليّة العالميّة والمحليّة في إشاعة جوّ من التفاؤل والترويج للفكرة القائلة بأن البلدان الإمبرياليّة الكبرى بدأت مرحلة الخروج من الركود بفضل حيويّة بورصاتها وانتعاش صادراتها وارتفاع إنفاق الاستهلاك الدّاخلي الأمر الذي دفع المفوّضية الأوروبيّة لأن تؤكّد أن نسبة نمو الإنتاج الدّاخلي في بلدان الإتحاد الأوروبي ستكون إيجابيّة هذه السنة (7،0%) وستبلــغ 6،1 % في سنة 2011 بعد أن أدركت أدنى مستوياتها في 2009 منذ الحرب العالميّة الثانية إذ تراجع اقتصاد بلدان الإتحاد الأوروبي في مجمله إلى نسبة سلبيّة بلغت 1،4 %.

وفي الولايات المتّحدة الأمريكية أعلنت في أواسط شهر أكتوبر عن تسجيل الإقتصاد الأمريكي  نسبة تطوّر بـ 5،3 % خلال الثلاثيّة الثانية من عام 2009 وهذا ما جعل المفوّظية الأوروبية تتوقع أن يدرك الإقتصاد الأمريكي نسبة نمو إيجابيّة بـ 2، 2 % خلال السنة الجارية شأنه في ذلك شأن إقتصاد اليابان ( 1،1 % ) .

إن هذه النسب متواضعة جدّا ومن حقنا أن نتساءل لماذا إذن تتعدّد التصريحات المفعمة بالتفاؤل والمؤكّدة أن تلك البلدان تجاوزت أزمتها .

للإجابة عن هذا التساؤل تجدر الإشارة إلى أن نسق النمو في بلدان الإتحاد الأوروبي بلغ بصعوبة كبرى وبعد مرور سنوات عديدة نسبة 2، 3  % عام 2006 و 9،2 %  في السنة الموالية لينخفض إلى 8، 0 %  في 2008 ثم إلى 1، 4 %  في العام الماضي وهذه نسبة متوسّطة لعموم بلدان الإتحاد الأوروبي .

وتفاوتت حدّة تقهقر الإقتصاد من بلد أروبي إلى آخر على النحو التالي :

 

البلد                                

نسبـة تراجع النمو %

ألمانيا                                  

5,1

إيطاليا                                  

5,0

المملكةالمتّحدة                         

4,3

إسبانيا                                

3,7

فرنسا                                 

2,9

ولذلك فإن تسجيل أغلب هذه البلدان (ماعدى اسبانيا) نسبة نمو ايجابية خلال عام 2010 تتراوح بين 0,7% (إيطاليا) و1,2% ( ألمانيا وفرنسا) مرورا بـ0,9 % (المملكة المتحدة) يعتبر في نظر حكمها إنجازا هاما لم يكن متوقعا بل انتصارا على أعمق وأعنف أزمة عاشها الاقتصاد الرأسمالي منذ أزمة 1929.

يعزى الانتعاش النسبي الذي استهدفته اقتصاديات عدد من البلدان الكبرى إلى الإجراءات والبرامج الحكومية لدعم الاقتصاد بتشجيع الاستهلاك الداخلي أو التصدير أو إنقاذ المؤسسات التي كانت على وشك الانهيار ومن بين هذه الاجراءات نذكر التخفيضات الجبائية ومنحة شراء السيارات الجديدة والتخفيض في نسب الفائدة إلخ ...

التحسن النسبي في وضع اقتصاد تلك البلدان يرافقه تراجع البطالة بل على العكس من ذلك فلقد  ازدادت تفاقما فنسبة البطالة بلغت 10,2% في الولايات المتحدة في أكتوبر 2009 وأعلن عن هذا الرقم أسبوعا فقط بعد أن وقع الإعلان قبل أسبوع فقط أن الإقتصاد الأمريكي سجل نموا بـ3,5% خلال الثلاثية التالية من سنة 2009 نشير الى أن 7,3 ملايين شخص فقداو شغلهم في الولايات المتحدة منذ بداية الأزمة أي منذ نهاية عام 2007 علما أن هذا الرقم لا يأخذ في الاعتبار لملايين الأشخاص الذين أعياهم جهد البحث عن الشغل , وإذا ما احتسبناهم فإن نسبة البطالة ستبلغ 15,5% في هذا البلد.

أما في أروبا فإن البطالة تخطت هي أيضا نسبة 10% ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة لتبلغ 10,7% سنة 2010 و 10,9% عام 2011 , وأعلن عن فقدان 1,44 مليون شخص لشغلهم في بلدان الاتحاد الأروبي إلى غاية نهاية الثلاثية الثانية من عام 2009 ولقد ضربت البطالة أجراء العديد من القطاعات نتيجة إفلاس المؤسسات أو إعلانها عن الدخول في مرحلة البطالة الإقتصادية أو تبعا لقرار إدارتها بنقلها إلى بلد آخر أو إلى قارة أخرى حيث يتقاضى المنتجون الحقيقيون أي الأجراء بمختلف أصنافهم أجورا زهيدة مما يمكن الرأسماليين من ضمان هامش من الربح هام.

عصفت إذن الأزمة أولا وقبل كل شيء بالأجراء وانتشرت المظاهر العديدة للفقر، والبؤس بين صفوف مواطني تلك البلدان الأكثر غنى في العالم وفي حين سجلت العديد من المؤسسات أرباحا قياسية وتفاقمت تبعا لذلك الفوارق الطبقية بين الأعراف والأجراء فهؤلاء مطالبون بشد أحزمتهم والانصراف عن المطالبة بتحسين أجورهم في حين يسمح مسيّرو  المؤسسات لأنفسهم بأن يرفعوا في رواتبهم بالضغط على تكاليف الإنتاج واللجوء إلى طرد الأجراء دون شفقة ولا رحمة وتفيد المؤشرات أن تردي وضعية التشغيل في تلك البلدان ستتواصل حتى نهاية هذا العام ، ولئن تسمح الزيادة في الناتج الداخلي الخام بنسبة 1,2% سنة 2010 وبنسبة 1,7% خلال العام المقبل بإعادة سوق الشغل إلى ما كانت عليه قبل الأزمة ويؤكد الخبراء أنه طالما لم تبلغ هذه البلدان نسبة نمو تترواح بين 2% و2,5% فإنه لا يمكن إعادة إحداث مواطن الشغل التي تحطمت، إذن سجلت في اقتصاديات البلدان الرأسمالية الامبريالية بداية " انتعاشة" دون أن تكون مصحوبة بخلق مواطن شغل جديدة ودون التمكن من إيقاف شبح البطالة الزاحف على ملايين الأجراء إلا أن هذه الانتعاشة هشة لأنها تحققت بفضل إجراءات " منشطة " ظرفية انتهى مفعول البعض منها فيما ينتظر أن يحل أجل انتهاء العمل بما تبقى نهاية هذا العام.

ولا ينتظر أن يتطور نسق الطلب الداخلي في تلك البلدان نتيجة استفحال البطالة وشح ديون الاستهلاك وتراجع الاستثمار وحذر البنوك من اسناد القروض.

إذ تفيد المؤشرات أن الاستثمار داخل تلك البلدان أو خارجها سوف لن تتطور إلا ببطء لأن طاقة الانتاج تفوق بكثير حجم الانتاج.

ولاشك أن هذا الوضع سيؤدي حتما إلى تصاعد وتيرة التحركات الإجتماعية وتجذرها خاصة في صفوف الأجراء والشباب ، وسوف تكون لها تداعيات سياسية بالتأكيد وتزعزع الأحزاب اليمينية أو الاشتراكية الديمقراطية الحاكمة وتضعفها.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org