|
"الإرادة" الإقتصاديّة |
|
العدد الثالث عشر جانفي 2010 الاقتصاد التونسي يحتاج إلى مراجعة ولن ينعشه التفاؤل
ككل نهاية سنة عرضت الحكومة خلال شهر ديسمبر 2009 على مجلس النواب والمستشارين مشروع الميزانية لمناقشته وللمصادقة عليه. مجلس النواب في تركيبته الجديدة المنبثقة عن انتخابات أكتوبر 2009 خصص 5 أيام فقط لمناقشة بيان الحكومة العام الذي قدمه الوزير الأول محمد الغنوشي قبل أن " يناقش "أبواب الميزانية" ويحاور أعضاء الحكومة بوتيرة غير معهودة لينتهي للمصادقة عليها بكامل أعضائه تقريبا ما عدا نائبي حركة التجديد/ المبادرة الوطنية من أجل التقدم و الديمقراطية. واتسمت النقاشات بسطحيتها عموما وذلك يعود للحيز الزمني الضيق المخصص لها من جهة وإلى مستوى الإلمام الذي ما انفك يتحسر من انتخابات إلى أخرى حسب الملاحظين المتتبعين للنشاط البرلماني. وأكد الوزير الأول أن ميزانية عام 2010 أعدت إعتمادا على المقدمات الأساسية التالية: 1) تطور الناتج الاجمالي الداخلي ينسبة 4,4 % 2) تطور نسبة الموارد الجبائية بنسبة 10 % مقارنة بتقديرات قانون المالية التكميلي لعام 2009 3) تطور نفقات التصرف العادية دون نفقات الدعم بنسبة 7,9 % مقارنة بقانون المالة التكميلي لعام 2009 4) تطور نفقات التنمية بـ17 % مقارنة مع نفقات التنمية العام الماضي. 5) حصر العجز الجاري في حدود 3,6 % من الناتج المحلي الاجمالي وتوقع نمو للصادرات بـ8,2 %والواردات بـ8,9 % . 6) التخفيض من أعباء المديونية الخارجية وذلك بحصر نسبة التداين في حدود 39,5 % من الدخل المتاح وبابقاء نسبة خدمة الدين العمومي مستقرة في حدود 9,6 %من المقابيض الجارية. 7) حصر عجز الميزانية في حدود 3,6 % من الناتج الاجمالي 8) الارتقاء بنسبة حجم الاستثمار ليبلغ 26,5 بالمائة من الناتج المحلي 9) جلب 2400 مليون دينارا من الاستثمارات الخارجية خلال 2010 10) إحداث 70.000 موطن شغل جديد خلال هذا العام. صاغت الحكومة هذه الميزانية إذن ويحدوها تفاؤل كبير بخصوص نسبة نمو الناتج الداخلي خلال السنة الجديدة الذي لم يتجاوز 3 بالمائة خلال عام 2009 والحال أن توجهات المخطط الحادي عشر للتنمية (2007-2011) انبنى على نسبة نمو للآنتاج المحلي الإجمالي بـ6،3 بالمائة كمعدل خلال العشرية الممتدة من سنة 2007 إلى نهاية 2016. توقعات الدولة تبدو متفائلة جدا قياسا مع العديد من المؤشرات والحقائق . تأمل الدولة في أن تستعيد الصادرات حيويتها ويزداد حجم التصدير بـ8,2 % هذه السنة ( مقابل انخفاض 6,5 % تقريبا عام 2009) حتى يتمكن قطاع التصدير من تأمين 1,4 نقطة من نسبة نمو الناتج المحلي فيما يؤمن الطلب الداخلي إلى 2,6 نقطة المتبقية. لكن ضعف الطلب الداخلي الأروبي لا يزال مستمرا في اقتصاديات فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا التي تمثل أهم شريك اقتصادي لبلادنا. لذا يبدو لنا أنه ليس من السهل تحقيق نسبة النمو المرتقبة. وكان من المفروض أن تتسم توقعات الحكومة بأكثر واقعية حتى تتجنب مراحعتها المتتالية مثلما حصل في السنة الماضية إذ وقع التخفيض من نسبة النمو من 6,5 % إلى 3,5 % لتستقر في النهاية على 3 %. هذا وأكد الوزير الأول عند تقديمه في 30/11/2009 بيان الحكومةأمام مجلس النواب حول الميزان الاقتصادي ومشروع ميزانية الدولة أن حكومته تمكنت من : أولا: الحد من تدعيات الأزمة الاقتصادية العالمية والحفاظ على مسار إيجابي للتنمية ببلوغ نمو إيجابي بـ3 % خلال 2009 التي تعد أسوأ سنة اقتصادية في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وقد نسنى ذلك بفضل الاجراءات التي أقرتها الدولة منها ماله طابع ظرفي ومنها ماله طابع هيكلي. والاجراءات المندرجة في الصنف الأول هي تلك التي انتفعت بها المؤسسات الاقتصادية الموجه نشاطها نحو التصدير وتتمثل في تكفل الدولة جزئيا أو كليا بالاعباء الاجتماعية التي يتحملها عادة المؤجر و إعادة جدولة قروضها ومساعدتها على تأمين الصادرات والحط من نسبة مخاطر الصرف. أما الاجراءات الهيكلية فتتمثل في دفع الاستثمار العمومي من خلال الترفيع بـ19 % من اعتمادات ميزانية الدولة للتنمية. ثانيا : انقاذ 55000 موطن شغل وخلق 57000 أخرى . ثالثا: الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى للدولة وحصر عجز الميزانية في حدود 3,6 بالمائة من الناتج الاجمالي المحلي. رابعا: تقلص نسبة الدين الخارجي إلى 41,3 % عام 2009 مقابل 42,6 % عام 2008. خامسا : تقليص معدل تطور الآسعار إلى 3،5 % مقابل 5 % عام 2008. لكن بيان الحكومة اكتفى بتسجيل ما تحقق خلال عام 2009 من " إنجازات" رغم صعوبة الظرف الاقتصادي دون مقارنة النتائج المسجلة في تلك السنة مع توقعات المخطط الحادي عشر للتنمية (2007-2011) دون الإشارة إلى مالم يتحقق مقارنة مع الأهداف التي وضعتها الدولة نفسها. فالدولة التزمت مثلا في هذا المخطط بتحقيق نسبة نمو متوسطة بـ6,3 % سنويا وبخلق 85000 موطن شغل كل عام، وبتقليص نسبة البطالة من 14,1 % (عام 2007) إلى 13,1 % سنة 2011 وبالتخفيض من نسبة البطالة المتفشية في صفوف حاملي الشهادات العيا من 19 % (سنة 2007) إلى 14,1 % سنة 2011. لكن الاقتصاد التونسي لم يستطع إحداث سوى 57000 موطن شغل خلال 2009 مسجلا بذلك تراجعا بـ20.000 موطن شغل مقارنة مع العامين الماضيين. أما خلال سنة 2010 فسيحدث 70000 موطن شغل جديد أي بنقص يقدر بـ15000 موطن شغل مقارنة مع أهداف المخطط الحادي عشر للتنمية. والدولة تبدو متفائلة جدا لانها تتوقع انخفاض نسبة البطالة بنقطة ونصف في موفى 2014 رغم أن نسبة النمو كانت بـ3 % في السنة الماضية وسوف لن تتجاوز 4 % خلال عام 2010. نشير إلى أن نسبة 3 % تحققت بفضل سنة فلاحية طيبة ومنتوج فلاحي مرضي خاصة في قطاعي الزراعات الكبرى والاشجار المثمرة وأما هذه السنة فيبدو أن الموسم الفلاحي سيكون صعبا لأن المعطيات المناخية لهذه السنة تبدو سلبية وهي تؤشر لتراجع الانتاج الفلاحي خلال هذا العام مما سيؤثر حتما على الاقتصاد الوطني وعلى نسبة نموه. من جهته أكد السيد موريلو المدير العام المساعد لصندوق النقد الدولي خلال ندوة صحفية عقدها يوم 11/12/2009 بعد زيارة لتونس أن اقتصادنا مطالب بتحقيق نسبة نمو تقدر بـ10 % حتى يستطيع استيعاب الطلب الاضافي لليد العاملة البالغ 85000 طلب سنويا. لا يمكن تحقيق هذه النسبة حسب اعتقادنا عندما تصر الدولة على التمسك بمنوال التنمية الذي تنتهجه منذ أواسط الثمانينات أي منذ تطبيق ما يسمى ببرنامج إعادة هيكلة الاقتصاد التونسي بتوصيات من صندوق النقد الدولي وهي الخطوة الأولى التي سبقت إبرام اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأروبي وهو اتفاق دعم هشاشته وعمق انحزام توازناته وحرم الدولة من مداخيل جبائية وغير جبائية ذات بال. إن مواجهة التحديات التي فرضتها الأزمة الاقتصادية العاليمة على تونس لا يتم بالتسلح بالتفاؤل المفرط أو بالاعتماد على مؤشرات طفيفة توحي بأن البلدان الشريكة الرئيسية لتونس بدأت تخرج من أزمتها. فعدم قدرة اقتصاد تونس على مواجهة أزمة البطالة وتوفير الشغل لطالبيه ليس السبب فيها بالاساس الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت باقتصاديات أغلب دول العالم وفي مقدمتها البلدان الرأسمالية الكبرى , إن عجز اقتصادنا هيكلي ودائم ولن تستطيع الإجراءات المتخذة من طرف الحكومة منذ جويلية 2008 إخراجه من هذا الواقع. المطلوب إذن هو تقويم نموذج التنمية المنتهج إلى حد الآن وصياغة سياسة تنموية بديلة تحمي اقتصاد البلاد وتقيه الهزات وتراعي بالاساس مصلحة تونس وبناتها وأبنائها وتدفع الاستثمار بصورة جدية لخلق أكبر عدد ممكن من مواطن الشغل. نحن نطالب الدولة بأن ترفع حجم الانفاق والاستثمار العموميين في مشاريع الأشغال الكبرى والبنية التحتية وفي المرافق العمومية (التعليم – الصحة – النقل – الثقافة إلخ...) وكذلك في القطاعات المنتجة مما سيمكن من ضمان مداخيل قارة للدولة وتنمية الثروة الوطينة علاوة على خلق مواطن الشغل. إن الرفع من وثيرة الاستثمار والإنفاق العموميين يتطلبان من السلطة عدم التقيد بضوابط اصطناعية جد قاسية وقسرية منها مثلا حصر الدين العمومي في حدود معينة وعجز الميزانية في نسبة 3,6 %. إن سياسة تنموية إرادية وشجاعة تعتمد بالاساس على دفع الطلب الداخلي والرفع من نسق تراكم الثورة الوطنية تتطلب من السلطة تعبئة الموارد الحقيقية للبلاد وهي موجودة فعلا ولم لا تكثيف اللجوء إلى الإقتراض العام الداخلي قصد تمويل المشاريع التنموية خاصة في الجهات المحرومة على كامل الشريط الغربي للبلاد وخلق مواطن الشغل في كافة القطاعات . إن إعادة الاعتبار لدور الدولة في العملية التنموية يحب أن يترافق مع دفع الاستثمار الخاص المحلي إلى مزيد من المبادرة في مخططات التنمية ومراعاة مصلحة وحقوق كل المشاركين في خلق الثروة ومنهم الأجراء وحماية الوطن من النهب مهما كان مأتاه. وستساهم الشفافية في المعاملات ومقاومة الرشوة والمحسوبية وحياد الإدارة واستقلال القضاء وتفعيل مبدأ مساواة كل المواطنين في الحقوق والواجبات وإرساء العدالة الجبائية ومقاومة التهرب الجبائي في إشاعة مناخ سليم من الثقة بين الدولة والمستثمرين الخواص وتدفع بهؤلاء إلى المنافسة النزيهة فيما بينهم وتحفزهم على الاستثمار المحلي الذي يخلق الثروة ومواطن الشغل وتدفع بهم إلى العزوف عن تهريب ثراوتهم أو إلى تجميد أموالهم في البنوك أو في المضاربات العقارية . أبو يوسف |