"الإرادة" الوطنيّة

العدد الثالث عشر جانفي 2010

 

قراءة في ميزانية سنة 2010

 

سنحاول في هذا المقال استعراض أهم ملامح ميزانية الدولة لسنة 2010  والإجراءات الجبائية المتخذة ضمن قانون المالية الجديد والمشاريع الجبائية التي ستنجزها الدولة خلال الفترة المقبلة.

I- سمات ميزانية سنة 2010-

تبلغ ميزانية الدولة مواردا وإنفاقا 18235 مليون دينار (م.د) مسجلة بذلك زيادة بحوالي 1029 م.د (أو6%) مقارنة مع ميزانية سنة 2009.

 1 – موارد الميزانية

تنقسم موارد الميزانية إلى صنفين اثنين :

أ‌-                      موارد ذاتية وتبلغ 14166 م.د

ب‌-                   موارد الاقتراض وهي القروض الداخلية والخارجية التي تلجأ لها الدولة لتغطية عجز الميزانية وتبلغ 4069 م.د.

 

و فيما يلي الهيكلة العامة لموارد الميزانية

-أ- الموارد الذاتية للميزانية:

 تشمل هذه الموارد على موارد جبائية وهي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل ميزانية الدولة إذ تمثل 83% من جملة الموارد الذاتية فيما تمثل الموارد غير الجبائية (وهي تشمل عائدات البترول والفوسفاط ومداخيل الخوصصة ومداخيل المنشآت العمومية إلخ ..) 17% من تلك الموارد.

وبلغ حجم الموارد الجبائية 11602 م.د مسجلا بذلك زيادة بنسبة 10,3% مقارنة مع سنة 2009.

أما الموارد غير الجبائية المتوقعة فإنها حددت بـ2564 م.د (بزيادة 8,9% مقارنة مع ميزانية السنة المنقضية).

 I-                       الموارد الذاتية                      

 

النسبة

التقديرات (م.د)

1) المداخيل الجبائية الاعتيادية

 

59,85

10913

 

الأداءات المباشرة الاعتيادية

25,21

4596

 

الأداءات والمعاليم غير المباشرة

34,64

6317

2) المداخيل غير الجبائية الاعتيادية        

 

10,6

1932,5

 

المداخيل المالية الاعتيادية

 

1391

 

مداخيل أملاك الدولة

 

541,5

3) المداخيل غير الاعتيادية

 

1,83

333

4) موارد صناديق الخزينة

 

5,42

987,5

جملة الموارد الداخلية

 

77,70

14166

                                            

II- موارد الاقتراض

 

موارد الاقتراض الداخلي

2951

موارد الاقتراض الخارجي

1118

جملة موراد الاقتراض

4069

 

جملة موارد الميزانية

18235

 

 

ما يجب أن نشير إليه في باب الأداءات المباشرة الاعتيادية هو أهمية مساهمة الضريبة على مرتبات وأجور الشغالين في حجمها الجملي.

فالدولة ستقتطع من مداخيلهم ما لايقل عن 1980 م د بعنوان الضريبة على المرتبات والأجور في حين أن الأشخاص الطبيعيين الذين يمارسون مهنا صناعية وتجارية ومهنا حرة سوف يدفعون 157,5 م.د بعنوان أرباح مداخيلهم.

أما الشركات البترولية وغير البترولية فإنها ستدفع 1518,5 م.د

هذا يعني بكل بساطة أن محصول الضرائب المباشرة التي تستخلصها الدولة من الأجراء يفوق حجم الضرائب التي توظفها الدولة على مرابيح الأشخاص الطبيعيين والشركات مجتمعين والتي بلغ حجمها الجملي 1676 م.د.

إن هذه الأرقام تؤكد مرة أخرى الحيف الذي يطال الأجراء وانعدام العدالة الجبائية.

فالدولة تستخلص الجزء الأوفر من الضريبة الموظفة على أجور ومرتبات الأجراء مباشرة عن طريق الخصم المباشر وعلى قاعدة مداخيل معلومة ومظبوطة مما يصعب معه عليهم إن لم نقل يستحيل عليهم التهرب من القيام بالواجب الجبائي. لكن غيرهم الذي يستأثر بالجانب الأوفر من الثروة فإنه يتمكن، عبر اختيار النظام التقديري والغش والاعفاءات والتهرب الجبائي من الإفلات من دفع الضريبة على مرابيحه وعلى ثروته.

 هذا وما تجدر كذلك الاشارة إليه هو النسبة الهامة التي تحتلها الأداءات والمعاليم غير المباشرة في المداخيل الجبائية للدولة،  فحجمها يبلغ 6317,7 م.د.

وهي تشمل بالخصوص:

·   المعاليم الديوانية (515 م.د)

·   الأداء على القيمة المضافة (3375 م.د)

·   معلوم الاستهلاك ( 1540 م.د) وهو معلوم توظفه الدولة على البنزين والزيوت والتبغ والوقيد والمشروبات الكحولية وعلى منتوجات استهلاكية أخرى.

·    معاليم التسجيل والمعاليم على النقل وغيرها (887 م.د)

الأداء على القيمة المضافة يوظف على السلع والخدمات كالكهرباء والغاز والماء، والهاتف والتنقل وغيرها بنسب هامة تصل إلى حد 18% مما يتسبب في ارتفاع أسعار البضائع والخدمات وهو أمر يتضرر منه الشغالون وأصحاب الدخل المتواضع من جمهور المواطنين.

هذا ونشير إلى تراجع مداخيل الدولة المتأتية من المعاليم الديوانية نتيجة انخراطها في منظمة التجارة العالمية وإبرام اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأروبي مما يدفعها حتما إلى سد النقص عبر توظيف نسب مشطة على معاليم الاستهلاك والأداء على القيمة المضافة.

 قد تسبب إلغاء العمل بالرسوم الجمركية إذن في تقلص مداخيل الدولة مما ساهم في استمرار عجز الميزانية الأمر الذي يستوجب من الدولة اللجوء إلى الإقتراض لخلق التوازن بين الموارد والدفوعات.

-ب- موارد الإقتراض

   ستلجأ إذن الدولة إلى اقتراض 4069 م.د هذه السنة، من السوق المالية الداخلية في حدود 2951 م.د و1118 م.د من السوق المالية العالمية علما وأن شروط الإقراض في هذه السوق أصبحت مجحفة وقاسية مع احتداد الأزمة العالمية وتخييم شبح الإفلاس على عدد من الدول كإسبانيا واليونان والمجر وإمارة دبي إلخ....

 لقد بينت العديد من الدراسات والبحوث أنه بإمكان تفادي عجز الميزانية وبالتالي عدم اللجوء إلى القروض الخارجية الجديدة لتسديد قروض خارجية قديمة، لو وقعت مراجعة سياسة الإعفاءات والإمتيازات الجبائية السخية المنتهجة حاليا ولو تصدت الدولة كذلك إلى ظاهرة التهرب الجبائي التي يمارسها أكثر الناس ثراء في هذه البلاد.

2) نفقات الميزانية : تبلغ نفقات الميزانية 18235 م.د وتنقسم إجمالا وأساسا إلى 3 أصناف :

 

النسبة

الحجم

أ) نفقات التصرف              

وتشمل نفقات التأجير العمومي ووسائل المصالح ونفقات التدخل العمومي ونفقات التصرف الطارئة

55,36%

9950 م.د

ب) نفقات التنمية

24,68%

3657،5 م.د

ج) تسديد الدين العمومي

19,6%

3640  م.د

 

 نود أن نسوق بعض الملاحظات السريعة حول نفقات الميزانية.

·   تستأثر ميزانية وزارات السيادة (وزارة أولى – وزارة الداخلية، وزارة الدفاع ووزارة الخارجية) بـ2072,159 م.د أي بنسبة 11,36% من نفقات الميزانية منها 1017,644 م.د أسندت لوزارة الداخلية والتنمية المحلية وحدها.

·     خصصت 2329,538 م.د (أو 12,78%) لنفقات تصرفها الوزارة المتدخلة في الميدان الاقتصادي والمالي.

·     أسندت 250،5196 م.د لنفقات تصرّف وزارات التعليم والثقافة والشؤون الإجتماعيّة والشباب والرّياضة والمرأة والصحّة.

·     بالنسبة للدين العمومي ستضطرّ الدّولة لإنفاق 1180 م د لتسديد الدّين الخارجي (موزعة بين 565 م.د لتسديد أصل الدّين و 615 م.د لتسديد الفوائض) و2400 م.د لتسديد الدين الدّاخلي.

  نلاحظ إذن أن القروض التي ستسعى الدّولة للحصول عليها تعادل حجم الدّين الخارجي الذي حلّ أجل تسديده من طرف الدّولة هذه السنة.

·    وتبرز المعطيات الخاصّة بالدّين الخارجي عبء الفوائض الموظفة على الديون التي تتحصّل عليها الدّولة من السّوق العالميّة

·    سيخصّص مبلغ 1500 م.د من الميزانيّة لنفقات الدّعم أي دعــم المحــروقات ( في حدود 550 م.د) ودعم المواد الأسايّة (730 م.د) ودعم النقل العمومي (220م.د)

II – الإجراءات الجبائيّة التي تضمّنها قانون الماليّة

انصرف اهتمام الدّولة كالعادة وبالدّرجة الأولى إلى إتخاذ إجراءات تحفيزيّة للإستثمار الخاص والتّصدير ودعم القدرة التنافسيّة للمؤسّسات وخاصّة منها المصدّرة  ولم تخص الفئات الشعبيّة وخاصّة طبقة الأجراء بإجراءات جبائيّة من شأنها أن ترسي عدالة جبائية، واكتفت الدّولة بالترفيع في المبلغ الواجب خصمه من قاعدة الأداء على الدّخل بعنوان البنت أو الإبن الذي يزاول التعليم العالي من 300 إلى 600 د.

كما رفعت في المبلغ المخصوص من قاعدة الأداء على الدّخل بعنوان الطفل المعوّق من 750 إلى 1000 د.

إذن لم تصغ الدّولة إلى الأصوات المنادية بضرورة مراجعة سلّم الأداء على الأجور والمرتبات وبضرورة التّرفيع في قسط الدّخل غير الخاضع للأداء كالترفيع في المبالغ التي تخصم من قاعدة إحتساب الضريبة على دخل الأجراء.

ولم يتضمّن قانون الماليّة كذلك إرساء الضريبة على الثّروة الذي أصبح مطلبا لدى فئات واسعة من الرّأي العام لأنه أقرب للعدالة الجبائيّة من الأداء على الدّخل.

ولم يأت قانون الماليّة الجديد بإجراءات تجسد عزم الدّولة على مقاومة ظاهرة التّهرّب الجبائي التي تحرم الدّولة من مداخيل هامّة فضلا عن كونها تتسبب في تواصل إختلال التوازن في ميزانيّة الدّولة بين الموارد والدّفوعات بل في إستفحال هذا الإختلال.

ليس هذا فقط بل إن الدّولة ماضية في الإهتمام أكثر فأكثر بالمستثمرين وذلك من خلال إنكبابها على إعداد نظام جديد للتحفيز على الإستثمار.

III – نحو التخفيف من الضّغط الجبائي على المؤسّسات

وأعلن وزير الماليّة أثناء مناقشة مشروع الميزانيّة عن شروع مصالح وزارته في إعداد تصور عام وعميق للإصلاح الجبائي ووضع نظام جديد لدفع الإستثمار وذلك من خلال صياغة نظام جبائي خاصّ بالمؤسّسات الصّغيرة والمتوسطة.

ولم يكشف الوزير عن ملامح هذا الإصلاح مكتفيا بالتأكيد أن من أهدافه الأساسيّة التخفيف من العبء الجبائي الذي يثقل كاهل هذه المؤسّسات.

كما أنه لم يذكر ما إذا كانت المؤسّسات المصدّرة هي التي ستتمتّع بجملة الحوافز الجبائيّة وغير الجبائيّة المزمع إقرارها أو أنها ستشمل جميع المؤسّسات مهما كان نوع نشاطها ونظامه.

مع الملاحظ أن الدّولة التي لا تزال تعتبر أن قطاع التّصدير هو قاطرة الإقتصاد الوطني، دأبت على تمتيع المؤسّسات الموجه نشاطها للتصدير سواء كانت تونسيّة أو غير تونسيّة بالعديد من الحوافز الجبائيّة وغير الجبائيّة

عن طريق الإعفاءات المتنوعة (إعفاء من دفع الضّريبة على المرابيح، إعفاء من أداء القيمة المضافة  إعفاءات على التوريد ، إعفاء من دفع المساهمات الإجتماعيّة المحمولة على المؤجّر إلخ ...) والتسهيلات الأخرى دون الإلتفات إلى المؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة والتي توجه إنتاجها إلى السوق الدّاخليّة.

هذه المؤسّسات لا تجد الحماية من المنافسة اللامشروعة التي يمارسها الناشطون في استيراد البضائع الأجنبيّة بطرق غير قانونيّة وغير شفافة وترويجها  في السوق المحليّة الأمر الذي ساهم في انقراض العديد من المؤسّسات وإفلاس أصحابها والقضاء على آلاف مواطن الشغل ومصادر الرّزق.

أن عدم الأخذ في الاعتبار مصالح هذه المؤسسات والعاملين بها سوف يقلص من موارد الدولة الجبائية ويساهم في تفاقم ظاهرة البطالة، ويزيد الاحتقان الاجتماعي حدّة.

 

المراقــب

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org