"الإرادة" الثقافية

العدد االعاشر ديسمبر 2008

ماذا بقى من أيّام قرطاج السينمائيّة

 

أسدل الستار منذ أيام على الدورة 22 لأيام قرطاج السينمائية بعد أن عاشت شوراع العاصمة وقاعاتها المتبقية حركة غير معهودة بلغت ذروتها بقاعتي "المونديال" و"الريو" اللتان احتظنتا المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة والقصيرة. وأعتقد أن هذه الدورة وخلافا لسابقاتها كانت محل اهتمام مبالغ فيه من مختلف وسائل الإعلام وكتب حولها بإسهاب كبير بين منبهر ومثمّن وناقد للجوانب التنظيمية ولمحتوى ومضامين الأفلام المقدمة في هذا المهرجان في قسمي المسابقة و"البانوراما".... وبين هذا وذاك سأحاول أن أدلي بدلوي باعتباري مواكبا لأيام قرطاج السينمائية منذ بداية الثمانينات. تنظيميا: يمكن اعتبار إدارة درّة بوشوشة أدارت هذه الدورة باقتدار مستفيدة من أخطاء الدورات السابقة التي كانت عضوة في هيأتها المديرة وأحاطت نفسها بالبعض من الخبرات الذين سبق لهم الإشراف على هذا المهرجان السينمائي العريق الذي يعنى بالسينما العربية والإفريقية. وما يحسب لهذه الدورة هي تلك المتعلقة بمسألة برمجة الأفلام التي تنطلق في الساعة 11 صباحا وبتواتر مدروس ومتناغم مع كل القاعات المخصصة عروضها للمهرجان، وهو ما يخوّل لجمهور أفلام المسابقة متابعة أربعة أفلام على الأقل في اليوم الواحد ـ تخصيص القاعات المهيأة أكثر للعروض السينمائية ـ غياب التقطع في الأفلام بعد الصيانة الجيّدة لآلات العرض التي تآكلت واهترأت بمفعول الزمن ـ استغلال المسرح البلدي في حفلي الافتتاح والاختتام مما أعطى لهذين الحفلين لونا جديدا أخرجهما من النمطية التي طبعهما منذ تأسيس المهرجان حتى وإن كان في محاولة للتقليد واستنساخ لمهرجانات عالمية معروفة ـ إتاحة الفرصة لجمهور أفلام المسابقة من اللقاء بمخرجي الأفلام وطواقمها الفنية بعد نهاية كل عرض وفي نفس قاعة العرض مع النقاش وطرح الأسئلة دون الالتجاء إلى العودة من الغد صباحا كما جرت العادة لحضور النقاش وربما إلى الاضطرار إلى التغيب عن العمل أو الدراسة.

إلا أن هذه الإضافات الملموسة في الجانب التنظيمي لا يجب أن تحجب بعض الهنات والاخلالات، من ذلك محاولة إقصاء الجمعيات السينمائية المستقلة وحتى تلك التي ساهمت في بعث هذا المهرجان كجامعة نوادي السينما. كما سحب من هذه الجامعة تنشيطها لنقاش الأفلام ذلك التقليد الحميد الذي دأب عليه المهرجان بعد أن تمت الاستعاضة عنه بنقاش فور انتهاء العروض ولكن ليس بالعمق المطلوب الذي يلزمه متسع من الوقت وبعيدا عن ضغط العرض الموالي ـ التخفيض من أعداد "البادج" ـ الارتباك الواضح عندما يكون الإقبال يفوق طاقة استيعاب القاعة ليختار القائمون على التنظيم لمن ستكون أولوية الدخول؟ حاملي الشارات "البادج" أو لقاطعي التذاكر مما أنجرّ عنه حدوث بعض المشاكل في بهو وداخل القاعات.

أما فيما يتعلق بمسألة المحتوى ومضامين الأفلام المنتقاة لهذه الدورة وكأني بوزارة الإشراف ارتأت أن تكون المرأة هي العنوان غير المعلن للدورة 22 لأيام قرطاج السينمائية. بدءا بتعيين امرأة على رأس إدارة المهرجان مرورا باختيار الكاتب الجزائري محمد مسهلول رئيس لجنة التحكيم والمعروف بانحيازه لقضايا المرأة إلى حد استعارته لاسم زوجته ياسمينة خضر لإمضاء كتبه الأدبية وصولا إلى العديد من الأفلام كانت المرأة موضوعها الأساسي وإن كان ذلك بعناوين مختلفة "المرأة وقضية التحرر الوطني"لآن ماري جاسر من فلسطين ـ المرأة وحقها في الميراث "شطر محبة" لكلثوم برناز من تونس ـ المرأة والهجرة السرية "زمبابوي"  من إفريقيا الجنوبية ـ المرأة والاغتصاب "أحبك أيها الرأس الأخضر" من الرأس الأخضر ـ المرأة الضعيفة والمستسلمة لأحزانها وللعادات والتقاليد "البيت الأصفر من الجزائر" و"قارو" من مالي الخ... وإن كان الاعتقاد السائد قبل انطلاق فعاليات المهرجان بأن هذا التوجه سيفضي إلى إسناد الجائزة الأولى لفلم "شطر محبة" من تونس. إلا أن مقاييس إسناد الجوائز لا تحدّدها المسائل الفنية والجمالية والموضوعية بقدر ما تحددها بعض النواميس والاعتبارات الأخرى التي تعتمد على الترضيات للبلدان المشاركة وعدم احتكار بلد ما للجوائز مهما بلغ مستوى القلم الفني. وهو ما حال دون تمكين شطر محبة من الجائزة الأولى وحتى الجوائز الأخرى الثانوية. هذا فضلا على ما خلفه هذا الفيلم من استياء حتى عند الذين يعتبرون أكثر انتصارا لقضايا المرأة وتحررها. إلى حد اتهام المخرجة بأنها أرادت بهذا الفيلم الإساءة للمرأة ولمطلبها الشرعي المتمثل في حقها في المساواة مع الرجل في الإرث، من خلال إبراز هذه العائلة التقدمية ووالدة الفتاة المطالبة بمساواتها مع أخيها في الميراث وهو محامي ماركسي لينيني، كما تظهره صورة عملاقة تغطي جدار المكتب المنزلي للوالد بأنه مستهزء وغير مسؤول ويكاد لا يصحو من كثرة شرب الخمر ولا يفرّق بين أماكن الشرب فتستوي عنده الحانات بالمقابر وقبور "الأولياء الصالحين"، هذا فضلا على العلاقات النسائية التي لا يرى في استقبال بطلاتها في منزله وعلى مرأى ومسمع من أبنائه، فضلا عن ضعف الفلم الفني الذي لم يرتق إلى مستوى العديد من الأفلام الأخرى وخاصة الفلم المتحصل على الجائزة الأولى "تيزا" الأثيوبي الجنسية والأمريكي التمويل والتوجه. هذا الفلم الذي حصد عدة جوائز من مهرجانات لها صيت عالمي وهذا يعود من جهة إلى مستواه الفني والسينمائي الذي يفوق مستوى أفلام بلدان الجنوب التي تعاني من معضلة الدعم ومن جهة ثانية إلى مضمونه المتناغم مع التوجهات السياسية للإدارة الأمريكية، هذه الإدارة التي أرادت من خلال هذا الفلم تذكير المشاهد بالجرائم التي أرتكبها نظام "منقستو هيلا مريام" في أثيوبيا ضد معارضيه وإبراز بشاعة مرجعية هذا النظام من خلال المشاهد الدموية ومع كل مشهد منها تنتقل الكاميرا إلى لوحة عملاقة مثبتة في شارع كبير وسط العاصمة الأثيوبية تتضمن صورة رموز المرجعية الإيديولوجية للنظام الأثيوبي آنذاك في تجني واضح على تجربة فكرية وسياسية واقتصادية أثبتت الأيام إنها من يحمل خلاص الشعوب من نير الاضطهاد الوطني والطبقي، وقد يكون مرد هذا هو العودة القوية لليسار الماركسي في العالم ووصوله إلى دفّة الحكم في العديد من بلدان أمريكا الجنوبية وكذلك للفشل السريع اللاحق بما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تتزعمه الولايات المتّحدة هذا النظام الليبرالي المتوحش المتسبب للكوارث في مختلف أنحاء العالم. وحتى لا تكون رؤيتي لمضامين أفلام هذه الدورة عدمية فإني أعتبر أن السينما الفلسطينية الاستثناء والخطاف الذي صنع ربيع هذه الدورة بعد أن شد الجمهور فيلم "عيد ميلاد ليلى" لرشيد مسهراوي الذي حاول من خلال الكاميرا رصد مختلف الأوضاع ومظاهر الحياة اليومية في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية إبان رئاسة أبو مازن من بيروقراطية الإدارة وتفشي ظاهرة الرشوة والمحسوبية إلى انتشار ثقافة التهميش والتمييع من خلال ما يبث من أغاني متدنية وهابطة حلّت محلّ الأغاني الوطنية الملتزمة بقضايا الوطن والمواطن ولولا المشهد الأخير الذي أرجع فيه المخرج كل تلك المظاهر السيئة إلى وجود الاحتلال ولولاه لما كانت الأوضاع كذلك...

وإن تحصل "عيد ميلاد ليلى" على الجائزة الثانية للمهرجان فإن شريط "ملح هذا البحر" للآن ماري جاسر نال حب وعطف الجمهور الذي صفق له طويلا لطرحه موضوع حق العودة الذي لا ترى المخرجة أنه يمكن الحصول عليه إلا بالقوة وليس بالمفاوضات المارطونية العقيمة.

هذه الدورة تركت لدى العديد من المهتمين بأيام قرطاج السينمائية عديد الأسئلة الحارقة من ذلك:

-          لماذا يبقى الإنتاج السينمائي المشارك في هذا المهرجان بعيدا عن حقيقة هموم وآلام وأحلام المواطن في البلدان العربية والإفريقية؟

-          أين الأفلام التي تتطرق إلى مسألة الحريات العامة والفردية والمشاركة السياسية والتداول على السلطة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة والتخلف الاقتصادي والتكنولوجي للبلدان العربية والإفريقية؟

-          أليس حريا بالمبدع السينمائي أن ترفع عنه قيود المراقبة ويقدم له الدعم الكافي وبالتالي ينآى بنفسه عن البحث عن جهات أجنبية لتمويل مشروعه الفني حتى لا يقوم بتنازلات كثيرا ما تكون كبيرة.

لماذا لا يقع تجهيز الفضاءات الثقافية من دور ثقافة وشباب بآلات عرض سينمائي وفتحها أمام الشباب المحب للسينما وفي إطار إعادة تنشيط نوادي السينما القادرة على المساهمة في انتشال الشباب من حالة التهميش والتمييع جراء ما يقدّم له في القنوات التلفزية.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org