"الإرادة" الثقافية

العدد االعاشر ديسمبر 2008

قراءة في كتاب (الجزء الأخير)

في الذكرى التّسعين لولادة المناضل الوطنيّ المغمور
عزّالدين عزّوز
(05 جويلية 1918 – 05 جويلية 2008)

 


 

عند وصول عز الدين عزوز ورفاقه إلى سوريا في أفريل 1947 لم يكن بإمكانهم انتظار افتتاح السنة الدراسية في أكتوبر 1947 غير الالتحاق بالجيش السوري ضمانا للعيش طيلة نصف عام، وحتى هنا في دمشق عوامل الجماعة في مكتب المغرب العربي معاملة اشتكى منها عزوز:

"حل شهر أكتوبر أخيرا وكانوا قد أهملوا دعوتنا إلى المشاركة في مناظرة الدخول إلى المدرسة الحربية. كنا ساخطين على إهمالنا بهذه الطريقة. وخاصة على ما عاملنا به بعض الطلبة التونسيون الذين نصّبوا أنفسهم كتابا ليوسف الرويسي – مدير مكتب المغرب العربي بدمشق- من معاملة ازدراء... ومن حسن الحظ أن مناظرة الدخول [إلى المدرسة الحربية]ثانية، نظمت بعد ذلك التاريخ بخمسة عشر يوما"[1].

في المدرسة السورية تعرّف عز الدين عزوز على الأمير رشيد حفيد محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي حصل على اللجوء السياسي في مصر في ماي 1947 ، فأرسل بحفيده إلى سوريا لدراسة الفنون العسكرية. ولقد أصبحت علاقة الشابين التونسي والريفي متينة جدا. كانت ظرف الشبان التونسيين المالية في المدرسة العسكرية سيئة. ولكن معاداة الدستوريين عموما لنهج المقاومة حال دون تحسين هذه الظروف :

"وصفت في رسالة أرسلتها إلى المنجي بالي في تونس هذه الوضعية المزرية فكان من طرفه، أن نظم عملية جمع تبرعات من الكشافين. ووقع تسليم هذه التبرعات (ما يقرب من 150.000 فرنك سعر 1947) بمنتهى الثقة إلى "زعيم دستوري" كبير ليحولها إلى سوريا عبر القاهرة. لكني إلى حد اليوم لم أحصل على هذه الأموال، التي تبخرت فجأة...[2]".

عندما اندلعت حرب فلسطين سنة 1948 لم يكن عز الدين عزوز ورفاقه قد تخرّجوا بعد من المدرسة العسكرية ومع ذلك شاركوا في هذه الحرب قبل أن يتدفق على فلسطين آلاف المغاربة الذين سيكوّن منهم العقيد أديب الشيشكلي "فوج المغاربة" الشهير[3] الذي سيستعمله للإطاحة بالحكم النيابي في سوريا[4] .

"هذه الفترة شهدت آلافا من الشبان التونسيين يعبرون الحدود خلسة ليلتحقوا تطوعا منهم بحرب فلسيطين ومن بين هؤلاء يمكن للمرء أن يعدّ كثيرا من الكشافين المنحدرين من كل أرجاء تونس. هؤلاء المتطوعون التونسيون الذين كان يصطحبهم عدد كبير من الإخوة المراكشيين والجزائريين والليبيين حرصوا على الذهاب إلى فلسطين رغم كل العراقيل متحدين حتى رصاص جند فاروق الذين أرادوا أن يرجعوهم إلى مرسى مطروح. وبفضل تدخل الجامعة العربية تمكن هؤلاء المناضلون – الذين كان يحرك أغلبهم حسن النية وشعور بالتضامن العربي – من الالتحاق بالجيش السوري. في حين انضمت مجموعات أخرى من المتطوعين إلى الجيشين المصري واللبناني وهكذا فإن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الشبان الشمال إفريقيين ومن بينهم الليبيون التحقوا بسوريا ليكوّنوا الفوج الشمال الإفريقي (فوج المغاربة) بقيادة أديب الشيشكي"[5].

حالما تخرّج عز الدين عزوز ضابطا طلب الالتحاق بمقاتلي "فوج المغاربة" الذين أبدى حولهم عدة ملاحظات منها :

أولا  "لئن جاؤوا دون شك للقتال في أرض فلسطين فإنهم جاؤوا كذلك للتمرّس على القتال واستعمال الأسلحة الفرنسية قبل الرجوع إلى إفريقيا الشمالية لشنّ حرب مسلحة ضد الاستعمار الفرنسي.

وثانيا أنهم إذا كانوا ينحدرون من جهات تونس الأربع فإن أغلبهم من الجنوب [التونسي].

وقد عمل عز الدين عزوز والأمير رشد والملازم الجزائري مداح على تكوين فوج المغاربة مما أثار حنق السفير الفرنسي في دمشق ودفعه إلى العمل من دون جدوى على أبعاد الضباط المغاربة عن الفوج.

غير أن استعمال العقيد أديب الشيشكي "فوج المغاربة" للإطاحة بالحكم المدني وإن كان لصالح حسني الزعيم ،دفع هذا الأخير نتيجة الصراعات الداخلية في الجيش السوري إلى البحث عن وسيلة لحل "فوج المغاربة" فرفض الخدمة العسكرية الإجبارية.

كانت غايته من ذلك إبعاد العسكريين المتطوّعين الذين كانوا يتقاضون رواتب تفوق رواتب العسكريين الآخرين فمكّن الشمال إفريقيين من وسيلة تسمح لهم بمغادرة الجيش [السوري] بالحصول على الجنسية السورية وإيجاد عمل لهم بصفتهم مدنيين"[6].

لم يبق بعد هذا القرار أمام فوج المغاربة إلا اختيار العودة إلى بلاد المغرب ولكن كيف تصبح هذه العودة ممكنة ومبررة نضاليا إن لم تندلع المقاومة المسلحة سنة 1949 ؟

هذا ما يفسّر عودة عز الدين عزوز إلى الاتصال بالحبيب ثامر ومن ثم ربط علاقات متينة بمحمد بن عبد الكريم الخطابي الذي أصبح منذ بداية 1948 رئيس لجنة تحرير المغرب العربي والذي ستدعم علاقة عز الدين عزوز به مزاملة الأمير رشيد في المدرسة العسكرية السورية.

كتب عز الدين عزوز إلى الدكتور الحبيب ثامر رسالة مؤرخة في 22 جويلية 1949 (أي قبل موته بقليل) فتلقى منه رسالة مؤرخة في 05 أوت 1949 تفيد أن ثامر أصبح يعتقد أن الظروف أصبحت ملائمة للقيام بعمل مسلّح :

"إن اقتراح استقرارك بليبيا يطابق مشاريعي [فيما يخصنا نحن الإثنين أنا وأنت][7]  فمنذ ثلاثة أشهر تقريبا اتخذت قرار الاستقرار بليبيا لأنني وجدت بعد دراسة معمقة  أن المشاريع التي نريد تحقيقها يمكن أن تجد هناك تربة (...) مناسبة. وعلى أية حال فإن رأيي هو أن أسبقك إلى هناك حتى أهيئ قدومك (...) وهكذا يمكن أن تبدأ بطلب تفرغ (...) وإن عودتك رفقة الجنود الشمال إفريقيين يمكن أن تكون جد مفيدة إذا تمكّنت من الحصول على إذن بذلك"[8].

أخذ عز الدين عزوز برأي الحبيب ثامر فراسل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي يطلب منه  أن يسعى لدى حسني الزعيم ليمكنه من إجازة تسمح له بمرافقة فوج المغاربة في رحلة العودة ولكنه لم يحصل على هذه الإجازة إلا بعد سفر الفوج فسافر إلى القاهرة بعدأن غادرها الحبيب بورقيبة إلى تونس للقاء الحبيب ثامر الذي سافر إلى الباكستان في رحلة لن يعود منها حيا غير أنه وجد في الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي  خيرعزاء إذ كان التناغم بين ثامر والخطابي تاما :

"التقيت بالأمير عبد الكريم الخطابي وشقيه محمد لأول مرة في ديسمبر 1949 وقد تملّكني إحساس جارف وأنا ألتقي بهذا البطل الشمال إفريقي الشهير والنبيل الذي مازال على كبر سنه ومرضه يبدي طاقة كبيرة ويمتلك إيمانا لا يتزعزع بمستقبل المغرب العربي (...).

كانت أفكاره حول الظروف في المغرب وفي العالم العربي تختلف تماما عن رأي الزعماء والسياسيين العرب والشمال إفريقيين التقليدي وهذا هو ما يفسر لماذا لم يتحمّل الأمير أي مسؤولية أثناء أحداث المغرب العربي ولماذا عاش معتزلا في القاهرة صحبة كل أفراد عائلته الكبيرة، كان على الدوام يؤاخذ ساسة العالم العربي على عدم تخصيص ما يكفي من الوقت والمال للكفاح المسلح ضد الاستعمار"[9].

كان من المقرّر أن يسبق الحبيب ثامر عز الدين عزوز إلى ليبيا، ولكن موت ثامر في ديسمبر 1949، حصر المشروع فيما يتصل بالجانب التونسي في الضابط التونسي فالتمس من محمد بن عبد الكريم الخطابي أن يسهل مهمته المتمثلة في السفر سرا إلى ليبيا ومن ثم إلى تونس عله يقنع القادة الدستوريين الجدد بضرورة اللجوء إلى خيار المقاومة. خاصة أنه لم يكوّن فكرة نهائية عمّن لم يعرف من هؤلاء القادة الذين قد يكونون مختلفين عمّن عرف في مكتب المغرب العربي. ورغم أن محمد بن عبد الكريم الخطابي كان قد حسم الأمر نهائيا في قضية الساسة المغاربة فقد قبل أن يمده بتوصية للقادة التونسيين ووعده بأن يكلّف ضباطا آخرين يتصلون بقادة الحركتين الاستقلاليتين في الجزائر ومرّاكش.

حدث هذا بالضبط عندما كان الحبيب بورقيبة يجتهد في إقناع الجمهورية الرابعة بضرورة التفاوض على أساس النقاط الست. وهو الاجتهاد الذي قاد إلى قيام وزارة محمد شنيق/صالح بن يوسف التفاوضية. وهكذا حل عز الدين عزوز بتونس متسللا إليها من طرابلس في 24 ديسمبر 1949، وطلب مقابلة القادة الدساترة فمكّن من ذلك في 01 جانفي 1950 :

"حدد يوم 01 جانفي 1950 موعدا للقاء الزعماء في منزل صالح بن يوسف في باردو (...) لاحظت في هذا الاجتماع حضور كل من الباهي الأدغم (...) والمنجي سليم (...) والصادق المقدم (...) وصالح بن يوسف (...) والدكتور سطا مراد رئيس الكشافين المسلمين التونسيين السابق. كنت ألتقي بهؤلاء الزعماء للمرة الأولى في حياتي فتأثرت لحضورهم. حددت لهم بعد التحيات المألوفة موضوع زيارتي وأظهرت رسالة التوصية من الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي. ثم ذكّرتهم باحترام ما وعدوا به من عمل على تهيئة ظروف بداية المقاومة المسلحة على النطاق الشمال إفريقي ولم أغفل الإشارة إلى أن الوقت قد حان لتحضير المخططات ووسائل التنفيذ. كان الزعماء يبدون متضايقين جدا وقد ردّ الباهي الأدغم عليّ بخشونة أن علينا نحن المقيمين خارج البلاد أن نوفر الوسائل الضرورية. أما صالح بن يوسف فقد أشعرني بأن الدستور هو حزب سياسي سلمي وليس في نيته تنظيم الثورة ضد الاستعمار.

طلبت عندئذ لقاء بورقيبة رئيس الحزب، ولكنهم ثنوني بوضوح عن مقابلته متذرّعين بأنه محل مراقبة وبأني يمكن أن أعرّض نفسي للاعتقال إن حاولت الالتقاء به (...) ثم نصحوني بإلحاح أن أعود في أسرع وقت إلى القاهرةوحتى قبل أن أحاول رؤية عائلتي على أن يبعثوا إلى القاهرة بواحد من الزعماء يناقش على عين المكان كل القضايا التي تهمنا. ثم إن صالح بن يوسف طرح عليّ السؤال : "لا شكّ أنك علمت بموت الدكتور ثامر المأسوية فمن تراه قادر على تعويضه في رئاسة مكتب القاهرة ؟" رددت على هذا السؤال أن الأمر مشروط ببرنامج العمل الذي يودون تطبيقه في المستقبل. فإن كانوا يريدون تطبيق القرارات التي اتخذت أثناء انعقاد مؤتمر المغرب العربي سنة 1947 وعند تأسيس "جبهة تحرير المغرب العربي سنة 1947" فعليهم أن يعيّنوا يوسف الرويسي أقرب مساعدي الدكتور ثامر الذي صوّت لصالح مخطط العمل هذا. أما إذا كان هدفهم يختلف عن هذا البرنامج، أي إذا كانوا لا يهدفون إلى تنسيق وثيق مع الجزائر ومرّاكش وإلى التحضير لجبهة موحدة ضد فرنسا فهم حينئذ أحرار في تسمية من يشاؤون رئيسا للمكتب.

وعند عودتي إلى القاهرة، أبرز لي الطيب سليم – الذي صوّت ضد برنامج مؤتمر المغرب العربي–  تلغراما بتاريخ 02 جانفي 1950 يعيّنه رئيسا لمكتب الدستور في القاهرة"[10].

لقد كان بورقيبة وأنصاره يسعون سنة 1950 إلى التفاوض مع فرنسا من أجل الحصول على "حكم ذاتي" ولهذا الغرض حرصوا على التبرّؤ من كل ما يمكن أن يقود إلى اتهامهم بالتعاطف مع دعاة الكفاح المسلح من التونسيين بل التبرّؤ من التعاطف مع بلاد المشرق مثلما تظهر ذلك تصريحات بورقيبة في فرنسا التي أثارت حفيظة الأوساط السياسية في المشرق.

دامت الآمال المعلقة على الحكومة الفرنسية من 15 جويلية 1950 إلى 15 ديسمبر 1951 أي مدة عام ونصف العام، وانتهت بتعيين الجنرال دي هوتكلوك مقيما عاما فرنسيا بتونس. فما الذي حدث أثناء هذه الفترة فيما يتصل بالمسألة موضوع هذا المقال ؟

عاد عز الدين عزوز من تونس إلى القاهرة ليقدّم إلى الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي تقريرا حول مهمته الفاشلة في تونس ثم التحق من جديد بعمله ضابطا في الجيش السوري إلى أن بلغته من الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رسالة تطلب حضوره إلى القاهرة وتتضمن توصية من الأمير إلى الجنرال أديب الشيشكلي الذي مكّنه من رخصة غير محددة الأجل وغير خالصة الأجر فسافر إلى القاهرة في شهر أكتوبر 1950 (أي أثناء تعثر التجربة التفاوضية التونسية- الفرنسية) وكان يعتقد أ، العلاقات بين ساسة شمال إفريقيا في المهجر المصري قد تحسّنت :

"كنت أتصوّر أن أجد الأوساط الشمال إفريقية نشيطة جدا ومتحدة جدا بما فيه الكفاية مما يمكنها من مجابهة مقتضيات حرب التحرير. ولكن لكم خاب أملي وأنا أكتشف أن التونسيين والجزائريين والمراكشيين يتخاصمون ويعمل الواحد منهم على عرقلة الآخر. اكتشفت من ناحية أن الأمير عبد الكريم كان حانقا على كل الزعماء  الشمال إفريقيين يرفض رفضا مطلقا كل مقابلة مع أي واحد منهم واكتشفت من ناحية ثانية أن مديري مكتب الدستور في القاهرة (الرشيد إدريس والطيب سليم وقادمين جدد من تونس هما مراد بوخريص وحمادي بلوزة) يشتمون الأمير ويعرقلون كل نشاط لصالح المغرب العربي. لقد طلب مني الأمير عبد الكريم من جهة أن ألازمه بمده باقتراحاتي فيما يتصل بالشؤون التونسية والعسكرية على أن يضمن لي على سبيل التعويض ثلث الراتب الذي كنت أحصل عليه في سوريا... "[11].

إن ما تقدم يعني أن على عز الدين عزوز أن يختار بين الحبيب بورقيبة ومحمد بن عبد الكريم الخطابي والانحياز إلى الأمير الريفي يعني ببساطة تدمير حياته السياسية إن قدّر للسياسة البورقيبية أن تهزم حركة المقاومة.

فما هي السياسة التي اختارها عزوز ؟

في البداية لم يتمكن عزوز من التمييز بين النهجين لأن بورقيبة أصبح يصرّح بعد أن ظهرت بوادر فشل التجربة التفاوضية أنه سيعود إلى المهجر ولكن هذه المرة لجمع الأموال والعتاد من أجل قيادة ثورة مسلحة من الجنوب التونسي ضد فرنسا مشبها نفسه بالجنرال ديغول عندما نهج سنة 1940 نهج مقاومة الإحتلال الألماني... لقد صدّق عز الدين عزوز ما أشاعه بورقيبة نفسه من موقف له جديد ولكن محمد بن عبد الكريم الخطابي تحدى الضابط التونسي لاقتناعه الكامل بأن بورقيبة لن يسلك البتة هذا المسلك بل رفض حتى مجر استقبال بورقيبة رغم طلباته المتكررة ولسوف يتبين لعزوز صحة أحكام الخطابي على بورقيبة فيختار الانحياز للزعيم الريفي ويدفع بعد استقلال تونس ثمنا غاليا بسبب هذا الاختيار.

إن ما سيلي من أحداث في تونس طيلة سنتين (1592 – 1954) سيكشف لمنديس فرانس أن الحبيب بورقيبة هو المؤهل أكثر من غيره للحفاظ على "عمل فرنسا التمديني" ومصالحها في الآن نفسه، فاختار هذا السياسي الراديكالي المحنك والبعيد النظر (ولسوف يسلك خلفاء  منديس فرانس السلوك نفسه مع سلطان مراكش سنة 1955) أن يركب لهذه الغاية الجواد البورقيبي،مما يفسر خطاب قرطاج في 31 جويلية 1954 الذي سيمثل في حقيقة الأمر انتصار البورقييبية على الخطابية .

فهل من باب الصدفة أن كانت سنة 1954 هي سنة إعادة صياغة قرارات مؤتمر المغرب العربي ولجنة تحرير المغربي العربي صياغة تزكي النهج البورقيبي ومن ثم تنهي تأثير الخطابي الفعلي في الأحداث في بلاد المغرب العربي؟

يقول الخطابي نفسه عن انتهاء دوره بعد "استقلال" تونس ثم مراكش :

"... ومن سوء الحظ أني عشت لأرى أفكاري تتشتت ولأشهد مصارعها واحدة إثر الأخرى. فقد دخلت الانتهازية وحتى المتاجرة في قضيتنا الوطنية ووجد من بين أعضاء هذه اللجنة من يسعى لتفتيت وحدة قضيتنا وتجزئتها. ففي الوقت الذي كنت أفكر فيه لإدماج المغرب العربي في مشكلة واحدة نشأ ولا أدري كيف – اتجاه تقسيم هذه البلدان إلى وحدات منفصلة[12] وقد تعذبت كثيرا وأنا أرى أني عاجز عن مقاومة هذا الفساد الطاغي وعندما ظهر تماما أنني لا أستطيع المضيّ في هذا الطريق الملتوي انسحبت وقطعت كل علاقاتي بإخواني الموجودين في مصر ولكني على صلة بشعبي في المغرب العربي"[13].

من وجهة النظر هذه يمكن القول إنه قد حدثت ثلاثة انشقاقات في الدستور الجديد : الأول سنة 1934 والثاني أثناء الهجرة إلى القاهرة (1945-1949) والثالث في منتصف خمسينات القرن العشرين. لكن يبقى الانشقاق الثاني هو الأبرز لأنه طال القناعات الفكرية-السيايسة ومرجعيات الحزب الدستوري من حيث أسلوب العمل وأهدافه. ونستنتج تهافت القراءات الآخذة بفكرة صراع الأجيال في صلب الدستوريين ذلك أن سبب الانشقاق القاهري كان كسرا في وحدة التصور التونسي بل المغربي، إذ أصبح يوجد تياران كبيران متناكران من حيث النظرة إلى الأشياء ومن حيث الرؤية والممارسة السياسيتان : تيار يتبنى شعار "إن الرباط والجزائر وتونس أقرب إلى لشبونة ومدريد وباريس وروما من دمشق وبغداد والرياض[14]، وتيار يتبنى شعار "بلاد المغرب الجناح الأيسر للعروبة " اصطلاحا على لغة عبد الرحمان عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية. وهو التيار الثامري- العزوزي وعلاقة هذا التيار بمحمد بن عبد الكريم الخطابي – على عكس التيار الأول – لا يمكن أن تكون إلا متينة.


 

[1] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.p. 119-120

[2] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.120

[3] انتمى انتمى إلى هذا الفوج مثلا الأزهر الشرايطي (1919 – أعدمته حكومة الباهي الأدغم سنة 1962 بعد محاولة الانقلاب)

[4] وقعت ثلاثة انقلابات في سرريا في ظرف عام واحد أولها انقلاب حسنى الزعيم 1949 بتدبير من العقيد أديب الشيشكلي وكانت مهمة عز الدين عزوز وهي التالية "مهمتي هي أن أتولى اقتحام مقر الإذاعة وأن أحرص على بقاء كل أجهزة البث الإذاعي في حالة عمل كي يعلن للعالم نجاح الانقلاب. وكما هو مخطط سقطت في الساعة الثالثة صباحا كل المواقع الاستراتيجية في دمشق بين أيدي الجنود الشمال إفريقيين من دون حوادث ومن دون إراقة دم

[5] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.123

[6] A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.129

 هذا يعني أن القطيعة بين ثامر والشق البورقيبي في المهجر المصري ودساترة الداخل أصبحت نهائية. ولسوف يمثل موت ثامر نكسة بالنسبة إلى المقاومة المسلحة التي ستفقد رمزا سياسيا شابا (كان عمر ثامر آنذاك أربعين عاما ) كفيلا بالتصدي لمشروع بورقيبة وصحابته في المهاجر المصرية والفرنسية والأمريكية.[7]

[8]         132A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.

[9]        132A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p.

 

[10]     A.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit p.p.138-139

[11]            145-144.Azzouz, l’histoire ne pardonne pas, op.cit. p p.

[12]     فظهر نتيجة لذلك مصالح البلاد المغاربية عوضا عن المغربية.

[13]  أورد هذا الشاهد زكي مبارك في كتابة محمد الخامس وابن عبد الكريم الخطابي وإشكالية استقلال المغرب، الرباط، فيديبرانت، 2003 ، ص 29 نقلا عن محمد سلام أمزيان "عبد الكريم الخطابي ودوره في لجنة تحرير المغرب العري 1947-1956 . رسالة ناقشها هذا الطالب بجامعة بغداد سنة 1988 وهي غير مطبوعة.

[14]  من تصريح للحبيب بورقيبة لبول بالطا ورد في :

Paul Balta, Le Grrand Maghreb des Indépendances à l’an 2000, Paris, La découverte, 1990, p.61

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org