"الإرادة" الدوليّة

العدد االعاشر ديسمبر 2008

انتخاب أوباما

 

انتخاب باراك أوباما يوم 4-11-2008 رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية يعتبر من أبرز الأحداث العالمية هذه السنة. وله دلالة هامة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص.

فهو أول مواطن أسود يصبح رئيسا للولايات المتحدة حتى وإن لم يكن ينتمي إلى الأمريكيين السود الذين هجّرهم التجار البيض أجدادهم قسرا من إفريقيا منذ عدة قرون وحوّلوهم إلى عبيد.

ويحق للسود الأمريكان ولغيرهم من المواطنين من أصول غير أوروبية، أن يفرحوا ويتأثروا إلى حد البكاء بمناسبة هذا الانتخاب طالما أنهم قاسوا وخصوصا السود منهم، من سياسة التفرقة العنصرية التي مورست ضدهم إلى ماض غير بعيد. ونأمل ألا يكون انتخاب مواطن من أصول غير أوروبية استثناء تاريخيا، بل سابقة تتأكد خلال الانتخابات المقبلة حتى نستطيع القول أن تغيّرا هاما حصل في عقلية الأمريكان البيض تجاه غيرهم من أبناء وطنهم.

وانتخاب أوباما له دلالة سياسية أخرى فهو تعبير عن رغبة الملايين من أبناء الشعب الأمريكي (52% من الناخبين) في القطع مع سياسة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته بوش وحكومته سياسة تقوم على انتهاج:

1)       سياسة ليبرالية مفرطة في الميدان الاقتصادي.

2)       سياسة رجعية ومحافظة على المستوى الاجتماعي والفكري والثقافي.

3)       سياسة عدوانية خارجيا قوامها الحروب ضد الدول المستقلة والتوسع العسكري العدواني والتدخل السافر والوقح في شؤون البلدان لمساندة أنظمة مستبدة أو مساندة بدائل ليبرالية في مظهرها رجعية في جوهرها لكنها موالية للولايات المتحدة في اختياراتها.

يرث باراك أوباما من بوش تركة ثقيلة على جميع الأصعدة من أهم مظاهرها:

·           أزمة مالية حادة لم تعرف لها الولايات المتحدة مثيلا منذ 80 عاما، أزمة انطلقت في قطاع الرهن العقاري لتصبح شاملة لكل القطاع المالي (بنوك ـ شركات تأمين، مؤسسات، قروض، الخ...).

·           أزمة اقتصادية عميقة تؤكد عمق أزمة النظام الرأسمالي، آلت وستؤول إلى غلق العديد من المؤسسات الناشطة في كافة القطاعات وخاصة منها البناء وصناعة السيارات والبنوك وغيرها. فانجرّ عن ذلك تسريح أكثر من مليون و200 ألف أجير منذ بداية هذا العام فيما ينتظر ملايين آخرون من الأجراء نفس المصير.

وعلى سبيل المثال، أصبحت شركات فورد وكريسلار وجنرال موتور تطالب من الدولة إعانتها حتى تنجو من الافلاس. علما وأنها أدت إلى إفلاس العديد من المصارف الكبرى أما ما تبقى منها فإنه بحالة وهن لم يستطع ضخّ 700 مليار دولار إخراجها من غرفة الإنعاش.

·          عجز مهول في ميزانية الدولة بسبب إعفاء أصحاب الثروات من الضرائب وبسبب الحروب العدوانية التي شنتها ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق وأفغانستان ويوغسلافيا، وبسبب سياسة عسكرة البلاد هذه السياسة كلفت ميزانية الدولة وبالتالي المواطن الأمريكي العادي مليارات الدولارات كل يوم

·          نظام جباية يقوم على "ترييش" المواطن البسيط من جهة وتقديم هدايا جبائية لفائدة أكثر الأمريكان ثراء من جهة ثانية

·          نظام تغطية اجتماعية لا يضمن التأمين الصحي لعموم المواطنين ولا يوفر منحة بطالة للمسرحين إلا طوال 26 أسبوعا اللاحقة للطرد وفي حدود 60% من الأجر.

·          تراجع خطير في مجال الحريات العامة والفردية بسبب عسكرة الحياة المدنية تحت يافطة مقاومة الإرهاب ولعل أبرز مثال للمنحى الأمني لإدارة بوش هو محتشد غوانتانامو.

·          ردّة على المستوى الفكري نتيجة للدعاية للإيديولوجيا والأفكار المحافظة التي دعمتها إدارة بوش.

·          هذا الجزء من التركة يتعلق بالشأن الداخلي. أما على المستوى الخارجي فإن أوباما وفريقه سيواجهان وضعا صعبا في العراق المحتل وفي أفغانستان، وتحدي إيران المصرة على استكمال برنامجها النووي وسيرتقي للسلطة في وقت تعمل فيه روسيا على استعادة مكانتها في العالم والصين على تدعيم وضعها كثالث قوة اقتصادية في العالم لها وزنها السياسي وكذلك يريد الحليف الأوروبي إقامة علاقات جديدة مع زعيمة الناطو. هذا فضلا على تدني صورة الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها لدى أغلبية الشعوب بسبب سياستها العدوانية.

أوباما مطالب إذن أن يستجيب لآمال الناخبين الأمريكان الذين صوتوا والذين يطالبون بالخصوص بـ:

-          نظام جبائي أكثر عدالة يراعي خاصة الأجراء والشرائح الاجتماعية الوسطى

-          توفير الضمان الاجتماعي ضد المرض والبطالة

-          مجانية التعليم العالي

-          توفير الشغل ومقاومة البطالة

-          تمكين المقترضين المهددين بالطرد من منازلهم من البقاء فيها

-          إنفاق عمومي موجه لخلق مواطن الشغل لا للإنفاق العسكري وشن الحروب

-          غلق محتشد غوانتنامو وإطلاق الحريات وإلغاء كل القيود التي ضربتها عليها إدارة بوش

-          إنهاء الاحتلال للعراق وسحب القوات الأمريكية من هذا البلد

-          الكف عن انتهاج سياسة عدوانية تجاه الشعوب والأمم الأخرى

أوباما أكد تبنيه لهذه المطالب خلال حملته الانتخابية ووعد بتحقيق العديد منها إذا ما نجح في الانتخابات كما تعهد بفتح حوار مع إيران لكن السؤال المطروح هو هل سيفي بوعوده ويحقق آمال منتخبيه أم سيخضع لتأثير بارونات حزبه أي الحزب الديمقراطي ودائرة وزرائه ومستشاريه الذي اختار العديد منهم من بين العناصر التي أحاطت بالرئيس كلنتن؟ هل سينتهج سياسة تعكس وعوده أم سيجد نفسه مثل الرؤساء السابقين في سجن قالب وضع له مسبقا، قالب يراعي مصالح كبار الرأسماليين والقادة العسكريين ورؤساء الاستخبارات.

لقد أثبتت الأحداث والانتخابات الأمريكية المتعاقبة أن كل الرؤساء الأمريكان كانوا سجناء إيديولوجيا ورؤية تقوم على "عظمة الولايات المتّحدة" و"حقها في الدفاع عن مصالحها بكل الوسائل" بما فيها وبالخصوص الوسائل العسكرية وشبه العسكرية وعلى دورها، بل "واجبها في الدفاع عن الحرية والديمقراطية" (من منظورها الخاص المعتمد على خدمة
 مصالحها) في كل شبر من العالم حتى ولو أدّى ذلك إلى شن الحروب والتدخل في شؤون الدول الداخلية وتنظيم الانقلابات العسكرية ومساندة الطغم الحاكمة في العديد من البلدان هناك العديد من الأسئلة المشروعة تطرح حول سياسة أوباما المستقبلية لا يمكن الإجابة على كلها مسبقا. لكن قراره بالإبقاء على روبارقيتس كوزير للدفاع وراهم إيمانوال (الصهيوني ـ الحامل للجنسية الأمريكية والإسرائيلية) في منصب كاتب عام للبيت الأبيض وتصريحاته المتعلقة بالقضية الفلسطينية وتأكيده على أنه سيكثف من التواجد الأمريكي في أفغانستان واستنجاده بمستشارين عملوا طويلا مع الرئيس السابق كلنتن، لا تدعونا للتفاؤل.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org