"الإرادة" الإقتصاديّة

العدد االعاشر ديسمبر 2008

تداعيات الأزمة الماليّة العالميّة على الاقتصاد التونسيّ

 

لم نستمع إلى تصريح رسمي للسلطة حول تداعيات الأزمة المالية العالمية إلا بعد مدّة من اندلاعها وبعد موجة الإفلاس التي شهدتها عدة مؤسسات مالية وبنكية في الولايات المتحدة ثم في أوروبا، وقد كان التصريح الأول مطمئنا بما يفيد أن البلاد في مأمن من أي تداعيات بفضل الخيارات التي اعتمدتها السلطة منذ سنوات. ثم فوجئ الرأي العام بالإعلان عن تشكيل لجنة لمراقبة تطورات الأزمة وتداعياتها المحتملة ضمّت خبراء من السلطة ومن أرباب الأعمال.

إلا أن التصريح الذي أثار جدلا واسعا وربما وضع حدا للتفاؤل المفرط الذي حاولت السلطة تسويقه، هو ذلك الذي جاء على لسان رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الذي وضع الإصبع على الجرح إلى حد مطالبته بهدنة اجتماعية في السنة القادمة. وبين التصريح الرسمي للسلطة وتصريح ممثل أرباب الأعمال مسافة واضحة يمكن من خلالها رصد الاحتمالات الممكنة والأكيدة للأزمة المالية على قطاعات الاقتصاد التونسي.

يصنّف الخبراء التأثيرات على الأداء الاقتصادي التونسي إلى صنفين: مباشر وغير مباشر. فالصنف الأول يتعلق بتأثير المستجدات في الأسواق المالية العالمية على الساحة المالية التونسية بكل مكوناتها بينما يتعلق الصنف الثاني بتداعيات الأزمة على الاقتصاد التونسي باعتبار الانخفاض المحتمل للطلب الخارجي تحت تأثير تباطؤ نسق النمو المتوقع لاقتصاديات البلدان الصناعية وخاصة منها التي تنتمي إلى منطقة الأورو.

تعتبر السلطة أن السوق المالية لن تشهد تأثيرا جوهريا ملموسا بالرغم من التراجع الذي عرفه مؤشر بورصة تونس نتيجة لعوامل نفسية لا غير....

موضوعيا واعتبارا بأن السوق المالية التونسية هي ساحة مهمّشة ومهجورة من قبل الشركات الخاصة لا يمكن أن تكون مسرحا لتقلبات جوهرية زيادة على كونها غير مرتبطة ارتباطا كبيرا بالأسواق المالية العالمية إلا في حدود 25% وتكتسي المساهمات الأجنبية الصبغة القارة وغير ذات طبيعة مضاربية.

أما على مستوى السوق النقدية والسيولة المصرفية فإن الوضع يختلف رغم أن الخطاب الرسمي يعتبره في مأمن تام من أية تداعيات باعتبار هيكلة موازنات معظم المؤسسات البنكية وقوائمها المالية، ذلك أنها لا يمكنها حسب تراتيب الصرف استثمار ودائع المقيمين في الأسواق الخارجية، إلا أن الإجراءات المعلن عنها في الخطاب الرئاسي في الذكرى الحادية والعشرين لتحول 7/11، تشير ضمنيا إلى أن الأزمة المالية العالمية يمكن أن تحدث خللا في القوائم المالية للبنوك.

فالتدابير المدرجة في هذا الخطاب تتعلق أساسا بتخفيض 10%  من نصيب الديون المصنّفة غير القابلة للاستخلاص وذلك بشطب هذه الديون من القوائم المالية للبنوك وتحمل ميزانية الدولة عبء هذا الإجراء... وهذا ما يعني أن المجموعة الوطنية ـ أي الإجراء أساسا ـ هم من سينسحب عليهم هذا الإجراء، علما وأن هذا الصنف من الديون يمثل حوالي 13% من تعهدات مجمل القطاع البنكي...

وفيما يتعلق بالصنف الثاني أي التأثيرات غير المباشر على الاقتصاد التونسي فإن الخطاب الحكومي اتّسم أخيرا بشيء من الحذر حول مدى قدرته على امتصاص الأزمة.

فبعد أن اعتمد مشروع الميزان الاقتصادي للسنة المقبلة نسبة نمو بـ 6% مقابل 5,1% منتظرة للسنة الحالية، يصرح رئيس صندوق النقد الدولي اثر زيارته الأخيرة لتونس بأن هذه النسبة يمكن أن تنخفض بـ 1 أو 1.5% نتيجة للتباطؤ المحتمل لنسب النمو في العالم وخاصة في أوروبا حيث ستتراوح بين 0.0% بالنسبة لألمانيا و0.2% لفرنسا أما بالنسبة لايطاليا واسبانيا فإن نسب النمو يتوقع أن تكون سلبية (- 0.2%) علما وأن النسبة المتوقعة في الولايات المتحدة ستكون في حدود 0.1% وفي  اليابان 0.5%.

إن هذا التباطؤ في الطلب الخارجي له تداعياته الأكيدة على الاقتصاد التونسي باعتباره يعتمد أساسا على التصدير وتعتبر صناعات النسيج والملابس والجلود والأحذية والصناعات الميكانيكية والكهربائية أهم القطاعات التي تشهد تقلصا محسوسا في صادراتها، علما وأن هذه القطاعات ليست على قدر كاف من التنافسية. كما أن تأثير الانكماش المتوقع في نمو بلدان الاتحاد الأوروبي قد يشمل القطاع السياحي وكذلك قطاع النقل البحري والجوي وتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج.

ومن المعلوم أن هذه التأثيرات على أنساق نموّ هذه القطاعات سوف يكون لها تأثيره الأكيد على مستوى الطلب الداخلي استهلاكا واستثمارا.

وبخصوص تعبئة الموارد من السوق المالية العالمية لتمويل النقص الأكيد في مداخيل الدولة الجبائية وغير الجبائية فإن الانعكاسات التي أفرزتها أزمة القروض العقارية على السوق المالية العالمية والزيادة الكبيرة في درجة المخاطر بما تعني من ارتفاع الهوامش الموظفة على الإصدارات الرقاعية بالعملة نتيجة لتزايد مخاوف المستثمرين الدوليين، وقد اختارت السلطة عدم اللجوء إلى الأسواق المالية الخارجية خلال السنة الحالية، ومن المشروع التساؤل حول الحلول لتلافي النقص في مداخيل الدولة، هل ستلتجئ إلى الترفيع في الأداء وفي نسبة القيمة المضافة... وهكذا فإن عموم الأجراء هم الذين سيثقل كاهلهم وهم الذين سيتحملون وحدهم إصرار السلطة على التمسك بخياراتها الاقتصادية غير الموفقة...

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org