"الإرادة" الإقتصاديّة

العدد االعاشر ديسمبر 2008

هل بإمكان الاقتصاد التونسيّ أن يحقّق نسبة نموّ بـ 6%  العام المقبل؟

 

لا أحد يمكن أن يعترض على أن الأزمة المالية العالمية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية سوف تكون لها تأثيرات مباشرة على الاقتصاد التونسي.

فهذا الأخير مرتبط أيما ارتباط باقتصاد بلدان الاتحاد الأوروبي أساسا وبالخصوص اقتصاد فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا وبلجيكيا. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي المعلن عنها في أكتوبر 2008 أن نسبة النمو الاقتصادي في بلدان منطقة الأورو سوف لن تتجاوز 1.3% بالنسبة لهذه السنة وستنزل إلى 0.2% عام 2009. وستكون لإيطاليا ولاسبانيا نسبة النمو سلبية (0.2- %) وستشهد فرنسا وألمانيا ركودا فعليا.

وسيرافق هذا الركود الاقتصادي ارتفاع معدل البطالة في كافة البلدان الرأسمالية الكبرى ومنها بلدان الاتحاد الأوروبي شريكنا الاقتصادي الأول مثلما يبينه الجدول التالي:


 

 توقعات صندوق النقد الدولي: البلدان المتقدمة

(أكتوبر 2008)*

 

النمو الاقصادي

التضخم

البطالة

2008

2009

2008

2009

2008

2009

الولايات المتحدة

1.6

0.1

4.2

1.8

5.6

5.9

منطقة الأورو

1.3

0.2

3.5

1.9

7.6

8.3

ألمانيا

1.8

0.0

2.9

1.4

7.4

8.0

فرنسا

0.8

0.2

3.4

1.6

7.7

8.3

ايطاليا

0.1

0.2-

3.4

1.9

6.7

6.6

اسبانيا

1.4

0.2-

4.5

2.6

11.2

14.7

اليابان

0.7

0.5

1.6

0.9

4.1

4.5

المملكة المتحدة

1.0

0.1

3.8

2.9

5.4

6.0

كندا

0.7

1.2

2.5

2.1

6.2

6.3

العالم

3.9

3.0

..

..

..

..

* تفاقم الأزمة بيّن أنّ هذه التوقعات كانت متفائلة جدا.

 


 

وستكون من النتائج الحتمية لهذا الركود الاقتصادي ولاستفحال البطالة في البلدان الأوروبية الشريكة لتونس تراجع نسق الطلب الداخلي والخارجي في بلدان الاتحاد الأوروبي أي تراجع الاستثمار والتشغيل والاستهلاك.

ونظرا لارتباط اقتصاد تونس ارتباطا وثيقا باقتصاد أهم دول الاتحاد الأوروبي فإن قطاعات هامة من الاقتصاد التونسي ستتأثر سلبا والقطاعات التي ستكون أكثر تأثرا من غيرها من أزمة الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي هي:

1)     القطاعات الصناعية المعملية المصدرة كليا المرتبطة بالطلب الخارجي :

-        الصناعات الميكانيكية والكهربائية التي قد تتأثر تأثرا كبيرا خاصة بعد أزمة قطاع السيارات في فرنسا وألمانيا.

-        صناعة الملابس والجلود والأحذية: التي ستتراجع.

2)     قطاع السياحة وقطاع النقل المرتبط بها.

ذلك أن استفحال البطالة في البلدان الأوروبية والخوف من المستقبل بالنسبة لأغلبية الأجراء، هما عاملان سيثنيان العديد من المواطنين الأوروبيين على السياحة خارج بلدانهم. وإذا ما علمنا أن أغلبية السياح الأوروبيين الذين يأتون إلى تونس هم من الأجراء (عمال، وموظفين...) فإن عددهم سيتضاءل حتما.

وبالتأكيد فإن تراجع السياحة سيؤدي إلى تباطؤ نمو قطاع النقل وقطاع الصناعات التقليدية المرتبطين بالسياحة. وسيؤدي تباطؤ نسق النمو في بلدان الاتحاد الأوروبي وتراجع الطلب فيه إلى تراجع الاستثمار الخاص المباشر في تونس خاصة في قطاع الصناعات المعملية المرتبطة بالصناعات الأوروبية المتضررة. ومن المتوقع كذلك أن يتراجع حجم تحويلات العملة التي يقوم بها التونسيون العاملون في البلدان التي تعيش على وقع الأزمة الاقتصادية إما بسبب فقدانهم لمواطن شغلهم أو لارتفاع تكاليف المعيشة أو بسبب هذين العاملين معا.

وستكون لتراجع عائدات قطاعي النقل والسياحة وتحويلات التونسيين بالخارج تأثير سلبي على ميزان الدفوعات وعلى مدخرات البلاد من العملة الصعبة.

ويتميز الظرف الاقتصادي العالمي بتراجع في أسعار النفط وأسعار العديد من المواد الأولية وهذا سيكون له تأثيرات إيجابية على الميزان التجاري وعلى ميزان الدفوعات وعلى ميزانية الدولة (تقلص الأموال المرصودة لصندوق الدعم). لكن تراجع أسعار النفط من 147 دولار في 23/7/2008 إلى قرابة 40 دولارا في شهر ديسمبر من شأنه أن يؤثر على الاستثمار. في قطاع النفط خصوصا وقطاع الطاقة عموما.

لكن رغم كل هذه المعطيات الثابتة حول الظرف الاقتصادي، أصرّت الحكومة على عدم مراجعة توقعاتها الاقتصادية الخاصة بسنة 2009 وقدمت مشروع ميزان اقتصادي يتوقع نسبة نمو بـ6% بالأسعار القارة مقابل نسبة نمو منتظرة بـ 5.1% للسنة الحالية. وهو رهان ينطوي على تفاؤل مبالغ فيه وإن كان التفاؤل في حد ذاته أمرا طبيعيا وضروريا.

لكن تحقيق نسبة نمو اقتصادي بـ 6% تبدو صعبة جدا اعتبارا للظرف الاقتصادي الذي تعرضنا له وإلى واقع الاقتصاد التونسي.

فتونس حسب الأستاذ محمود بن رمضان، أستاذ الاقتصاد لم تحقق هذه النسبة من النمو 6% إلا 4 مرات فقط خلال 22 عاما الماضية.

كما أن هذه النسبة اعتمدت توقعات نمو قطاعية غير واقعية بالمرة. من ذلك مراهنة الدولة على زيادة في الاستثمار بنسبة 26.2% كما تنتظر أن يبلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام القادم بـ 3000 مليون دينار تونسي منها 1800 مليون دينار في قطاع الطاقة وحده والحال أن أسعار النفط في تراجع مثلما بيّنا. أما قطاعات الصناعات المصدرة كليا فقد يشهد صعوبات فيما أصبح الحصول على قروض بنكية في البلدان الأوروبية أمرا صعبا. والحال أن قطاعي السياحة والنقل مهددان بالتراجع بصورة جدية. أما الصادرات من السلع فإن قيمتها قد تتراجع نتيجة الظرف الاقتصادي الصعب والمنافسة، التي قد تحتم التخفيض في الأسعار عند التصدير.

أن تكون الحكومة متفائلة فهذا أمر مشروع، لكن  التفاؤل غير المؤسس والذي لا يعتمد المعطيات الواقعية قد يؤول إلى الإحباط إن لم تتحقق الرهانات المحددة، ولا يسمح بمواجهة الصعوبات الظرفية بصورة عقلانية وفاعلة، ومن الأفضل أن تضع الحكومة توقعات أكثر واقعية وتفتح حوارا وطنيا حول الأزمة وتداعياتها على اقتصاد بلادنا وحول نمط التنمية الذي يجب انتهاجه في بلادنا بعد أن أثبتت الأحداث أن اقتصادا موجها أساسا للتصدير ومرتبطا بعدد محدود من الدول المعرضة للأزمات العميقة والخطيرة، يبقى اقتصادا هشا، تابعا، لا يؤدي إلى التنمية، وإلى رفاه الشعب ولا يضمن استقلال البلاد الاقتصادي.

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org