|
"الإرادة" الإجتماعيّة |
|
العدد االعاشر ديسمبر 2008 مدينة دون محطّة
يقال: "ليس على المريض حرج"، ولكننا اليوم أمام حتمية تقول أن الحرج كل الحرج على المريض الذي يعرف مكامن دائه وعلّته ويخفيها أو يتعايش معها بوفاء الكلب لصاحبه الانسان. سيدي الكريم، تعاني كل مدينة عريقة في هذه الرقعة العظيمة بمحطاتها التاريخية الكبرى من عصر عليسة التي نصّبت نفسها ملكة في عرش فريد بفعلها فكانت قرطاج محطة الحضارات المترابطة في أزمان شتى. لكن المحطات يا عزيزي تختلف من زمن إلى زمن وتتطور تشكلاتها حتى تطمس معالمها أحيانا ليغيب معنى المحطة بمعناه التاريخي ليحلّ محلّها معنى جديد يفيد الترقّب والانتظار في ساعات ذروة السّفر. ولكن المصيبة تكون أدهى وأمر حين يغيب ثانية معنى المحطة حتى بهذا المفهوم البسيط بمجرّد غياب هذا الهيكل البنيان أي "محطة". والعجب كل العجب حين تغيب المحطة بتشكّلاتها بما هي إطار راحة للانتظار. ومن هنا نلامس ضياع الإنسان لحظة انتظار الحافلة. وتعاني مدينة سبيبة المتمركزة في إقليم الوسط الغربي وترجع بالنظر إلى ولاية القصرين جهويا وإداريا. وإذ أنها نقطة التقاء سبل السّفر على اعتبار أنها معبر واضح يربط ولايات عدّة، فإن الاكتظاظ يكون على أشدّه في كامل ساعات النهار وأثناء الساعات الأولى من فجر كل يوم. وقد عانيت شخصيا ويلات الانتظار في رصيف الانتظار وأنا أترقب سيارة أجرة "لواج" أو حافلة قد لا تأتي وقد كان انتظاري دائما ما يطول وخاصة في الشتاء. إذ أنّ الطقس غالبا ما لا يكون رحيما بالمسافرين، ولا أتصوّر أحدا يغيب عليه درس في جغرافيا المناخ فيه تحديد للمناخ بولايات الوسط والشمال الغربي في الشتاء. يقول (ع.ز) وهو مواطن من أصيلي العاصمة ويدرّس بأحد المعهدين الحكوميين بمدينة سبيبة "إنني أعاني كثيرا من حرارة الطقس صيفا وبرودته وأمطاره ورياحه العاتيات شتاء. إذ لا يمكن أن يحتمل المسافر ما ألاقيه من العذاب. فلا مكان يحتمي فيه المسافر وكما ترى لا يوجد سوى هذا الرصيف الذي لا يوحي أصلا بأنه محطة للحافلات وسيارات الأجرة ولكني أعجب لأهل الدار وسائقي سيارات اللواج إذ لا يوجد أي مرفق يدل على أن المكان هو المحطة". أعود يا سيدي الكريم لأقول أن هذا المكان الذي يسمى محطة سبيبة ليس فيه من ذلك سوى الاسم ولا يحمل من أسباب الراحة إلا ضدها فلا دورة مياه ولا مركز للأمن قريب ولا تؤمها غير الكلاب السائبة لأن لا سور يحميها فضلا عن شرذمة من المتصعلكين يجوبون المكان في كل ساعة من التاريخ إذ لا أمان على متاع المسافرين والمارة. كذلك أعيد لا يحتوي هذا المكان على أبسط المرافق والخدمات. ومن ثمّة فنيابة عن أهل الدار يطلب برفق تزويد سبيبة بمجموعات جديدة من الكلاب السائبة من الجنسين والمهجّنة أحيانا، ولهيب نار شهر أوسّو، وعواصف وثلوج الأقطاب المتجمدة، وزوّدوا المدينة بأعداد غفيرة من المتصعلكين بدلا من الماء الصالح للشراب مادامت المقولة "ليس على المريض حرج" جائزة. حــارس الكـــلمات |