|
"الإرادة" الدوليّة |
|
العدد الأوّل ماي 2007 أمريكا الجنوبيّة المتمرّدة
تعرف أمريكا الجنوبيّة عصرا سياسيّا ذهبيّا فعلى مدى تاريخها المأساوي، ومنذ بداية القرن التاسع عشر لم تعش هذه المنطقة فترة مماثلة من السلم المدنيّة النسبيّة مما أدى إلى تمتين الديمقراطيّة السياسيّة. منذ انتخاب السيد هوغو شافيز لرئاسة فنيزويلا سنة 1998 سمحت صناديق الاقتراع في عديد الدول بانتخاب أو إعادة انتخاب مرشحين من اليسار أو من يسار الوسط (السيد نستور كيرشنار في الأرجنتين، السيد اناسيو لولادا سيلفيا في البرازيل، السيد تاباري قاسكاز في الأورغوي، السيد مرتان توريجوس في الباناما، السيد ايقو مورالاس في بوليفيا، السيدة ميشال باشلي في الشيلين والسيد دنيال اورتيغا في نيكاراغوا). وفي بلدان أخرى مثل المكسيك فإن ممثّل اليسار السيد مانويل لوبازا اوبرادور انهزم بفارق 0.56 بالمائة من الأصوات في انتخابات خيّمت عليها احتمالات التدليس. وحتى في البلدان التي فاز فيها مرشح اليمين (إعادة انتخاب السيد الفارو ايريب في ماي 2006 بكولومبا) فإنّ النتائج التي تحصل عليها مرشحو اليسار كانت مرتفعة جدا.([1]) إنّها وضعيّة جديدة، فمنذ أمد غير بعيد وبتعلات مختلفة كانت الانقلابات العسكريّة -وآخرها محاولة الإطاحة بالرئيس شافيز في أفريل 2002، أو التدخلات العسكريّة المباشرة للولايات المتّحدة الأمريكيّة وآخرها في ديسمبر 1989 ضدّ رئيس بنما مانويل نوريغا - تضع حدّا وبسرعة لكل مشروع إصلاح اقتصادي واجتماعي حتى ولو تمّ اختياره ديمقراطيّا من أغلبيّة الناخبين. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الرؤساء الأربعة المنتخبين بصفة ديمقراطيّة (جاكوب اربانز في غواتيمالا، خوانيو غولارت في البرازيل، خوان بوش في جمهوريّة الدومينيك وسلفادور اليندي في الشيلي) وقعت الإطاحة بهم عبر انقلابات عسكريّة دمويّة مدعومة من قبل واشنطن لمنع تطبيق إصلاحات هيكليّة جذريّة في مجتمعات تفتقر للعدالة والمساواة، إصلاحات تضرّ حتما بمصالح الولايات المتّحدة الأمريكيّة وتحدث تغييرا في مستوى التحالفات لا تحبّذه واشنطن خاصّة في فترة الحرب الباردة (1947 ـ 1989) وفي هذا الإطار فإنّ تجربة يساريّة وحيدة صمدت، إنّها تجربة كوبا ولكن بأي ثمن! لقد كان على هافانا أن تتخطى العديد من المحن والمؤامرات: هجوم مرتزقة مدعومين من قبل الولايات المتّحدة سنة 1961 عرف بحادثة خليج الخنازير، حظر تجاري مدمّر قامت به واشنطن لوحدها مدّة 45 عاما، عمليّة لي ذراع دبلوماسيّة وعسكريّة كانت إحدى تمظهراتها أزمة الصواريخ في أكتوبر 1962 التي أوصلت العالم إلى عتبة حرب بين واشنطن وموسكو، إضافة إلى هجمات إرهابيّة متواصلة تسبّبت في 3000 قتيل وأضرار جسيمة للاقتصاد الكوبي بمليارات الدولارات([2]). كل هذه المصاعب لم تمنع النظام الاشتراكي في كوبا من تحقيق نجاحات معتبرة أساسا في التربية والصحّة العموميّة والتضامن الدولي لكنّها دفعت النظام إلى التصلّب أكثر من اللزوم ولتفضيل التحالف مع الاتحاد السوفياتي لأكثر من 20 سنة لتجنّب العزلة السياسيّة والحصار الاقتصادي المضروب من قبل الولايات المتّحدة. ولقد ولّد الانهيار المفاجئ لهذا الحليف سنة 1991 مصاعب جديدة لكوبا لكنّها لا تزال صامدة فباستثناء التجربة الكوبيّة أجهضت بالعنف كل المحاولات الديمقراطيّة الأخرى لتغيير شكل الملكيّة ولتوزيع ثروات هذه القارّة بصفة عادلة . فلماذا نجحت اليوم التجارب التي فشلت منذ عقود؟ وما السبب في اكتساح هذه الموجة الحمراء أو الورديّة للعديد من الدول دون أن توقف كما حصل سابقا؟ و ما الذي تغير إذن؟ 1. المعطى الأوّل الرئيسي هو فشل التجارب النيوليبراليّة المتطرّفة التي طبعت مرحلة التسعينات في كلّ أمريكا اللاتينيّة. ففي عديد من الدول اتسمت هذه السياسات بعمليّة نهب مركّزة وبتفقير مكثّف للطبقات الشعبيّة والمتوسطة وبتدمير كامل للصناعة الوطنيّة الهشّة وفي نهاية الأمر نهبت ثروة الشعوب. ففي بوليفيا والاكوادور والبيرو والأرجنتين أدّت انتفاضات مدنيّة عارمة إلى الإطاحة برؤساء منتخبين عبر صناديق الاقتراع لأنهم تصوروا أن فوزهم في الانتخابات يطلق أيديهم للتصرّف على أهوائهم وبالتالي إلى التراجع عن الوعود التي تقدّموا بها للناخبين. وفي هذا الإطار تعتبر الانتفاضة الشعبيّة في الأرجنتين في 21 ديسمبر 2001 التي أدّت لرحيل الرئيس فرنندو دي لاروا وأساسا انهيار السياسات النيوليبراليّة المطبّقة بين سنتي 1989 ـ 1999 من قبل كارلوس منعم بالنسبة لأمريكا اللاتينيّة زلزالا سياسيّا لما يعنيه من رفض نهائي لكلّ شكل من أشكال الحكم الاستبدادي واللاشعبي. 2. المعطى أساسي الآخر يتمثّل في أنّ الولايات المتّحدة التي تعتبر أمريكا اللاتينيّة "حديقتها الخلفيّة" قد حوّلت منذ حرب الخليج 1991 وخاصّة منذ 11 سبتمبر 2001 الجانب الأساسي من اهتمامها الجيوسياسيّة نحو منطقة الشرق الأوسط والشرق الأدنى أين يوجد أهمّ احتياطي عالمي من النفط ومعظم الدول "المارقة" (العراق ـ إيران ـ سوريا ـ وكوريا) وبؤر الإرهاب الدولي على حدّ زعمها. 3. والمعطى الثالث الذي جعل واشنطن تحوّل اهتمامها عن أمريكا اللاتينيّة هو سعيها للانتشار والتمركز العسكري والسياسيّ في أوروبا الوسطى والشرقيّة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقيّة في سعي منها لمزيد إضعاف روسيا و الاتحاد الأوروبي عموما وفرنسا وألمانيا خصوصا. 1اقرأ "أمريكا اللاتينيّة الانعطاف نحو اليسار" مجلة حركات عدد 47-48 2 اثنان من الإرهابيين المعادين لكوبا "لويس بوسادا وكاريل وارلندو بوش" يعملان لصالح المخابرات الأمريكية قاما بتفجير طائرة كوبية في الجو في 6 أكتوبر 1976 مما أسفر عن مقتل 73 شخصا، ومازالا هذان الإرهابيان يتمتعان في فلوريدا أين يقيمان بحماية السلط الأمريكية التي ترفض محاكمتهما أو ترحيلهما.
|