|
"الإرادة" العربيّة |
|
العدد الأوّل ماي 2007 العراق, سنة رابعة احتلال
في التاسع من أفريل-نيسان 2003 , تسلّق جندي أمريكي تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد ولفّ رأس التمثال بالعلم الأمريكي ثم غيّره بعد لحظات بالعلم العراقي. كان هذا المشهد يخضع لسيناريو معدّ سلفا وبعناية هوليوديّة, والمشهد موجّه إلى الجماهير العربيّة وكذلك الأنظمة. ما لم يكن مخططا له ومعدّا سلفا ولا متوقّعا هو ذلك العدد الضئيل من المتفرّجين المتناثرين حول التمثال وأغلبهم من الصحفيين الأجانب الذين صاحبوا الغزاة على دباباتهم. كانت تلك إشارة أمريكيّة للعالم توحي بعودة أشكال الإحتلال المباشر وعدم الإكتفاء بالإستعمار غير المباشر. مرّت اربع سنوات على هذا المشهد والعراق محتلّ وعدد القوّات الأمريكيّة في تزايد, فما هو المشهد اليوم؟ احتلال العراق يدخل ضمن مخطّط "مشروع الشرق الأوسط الكبير" المكمل لاتفاقيات سايكس بيكو بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وبعد سقوط الأنظمة التي جاءت بها حركات التحرّر. هذا المخطّط يستهدف الوطن العربي للسيطرة على خيراته التي تعتبرها الإمبرياليّة الأمريكيّة جزءا من "أمنها القومي", وللإستفراد به بعيدا عن المنافسة المحتملة لأوروبا والصين وروسيا والهند, والحليف الوحيد الذي يمكنها التعويل عليه في المنطقة هو الكيان الصهيوني, أما الأنطمة العربيّة وتركيا فهم حلفاء غير مضمونين رغم القواعد العسكريّة الأمريكيّة المنتشرة لديها. ولذا لجأت لتفعيل دور ما يسمى بالإسلام السياسيّ المعتدل. لقد سعت أمريكا في لتفكيك العراق والقضاء على مقوّمات الدولة وتفكيك المجتمع وتجزئته والعودة به إلى ما قبل 1958 ، فالحصار الذي دام 12 سنة بين عدوان 1991 واحتلال 2003 أثّر على بنية الإقتصاد والمجتمع العراقيين لكنّه لم يقض على مقوّمات الدولة رغم انفصال كردستان الفعلي وتدني مستوى الأداء والخدمات... تعمل أمريكا على تقسيم الشعب وتأجيج الحروب الجانبيّة بين فئاته, بمساعدة من جاؤوا على دباباتها من العراقيين وبعض الأنظمة المجاورة. تدهور الوضع الإجتماعي والتعليمي والصحي والغذائي, وأصبح الماء الصالح للشراب والكهرباء والبنزين عملة نادرة في بلادٍ كانت تستورد القوّة العاملة ويقارب مستوى العيش فيها الدول الأوروبيّة المصنّعة. أما الحريّات السياسيّة والديموقراطيّة التي وعدت بها أمريكا العراقيين فإنّها عوّضتها لهم بنظام محاصصة طائفيّة وعشائريّة يأتمر القائمون على تنفيذه بأوامر الحاكم العسكري أو المدني الأمريكي. اما المواطن العراقي فإنه يحاول أن يفرّ بجلده من فرق الموت المحليّة والمستوردة التي تتصيّده في الطريق وفي الأسواق وفي أماكن العبادة وفي بيته أيضا, وإذا تمكّن من الفرار بجلده فإنّه يبحث عن قوته اليومي الذي أصبح الحصول عليه أصعب من فترة الحصار والحصص التموينيّة, خاصة وأنّ الحصول على شغل أصبح بعيد المنال. لقد اعلنت المجلة العلميّة البريطانيّة "لانسيت" أن ما لا يقل عن 650 ألف عراقي توفوا بشكل غير طبيعي حتى نهاية 2005 . هناك حوالي ألف باحث ومهندس وتقني وأستاذ جامعي اغتيلوا منذ الإحتلال. أما برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي فإنه نشر الأرقام التالية في بداية 2007 : 50 بالمائة من القوى العاملة في حالة بطالة كاملة, 40 بالمائة من السكّان يعيشون بأقل من دولارين في اليوم (5 بالمائة من السكّان بأقلّ من دولار واحد) مع نسبة تضخّم بلغت 60 بالمائة, 4 ملايين لاجئ خارج العراق أومهجّر من مناطق السكن الأصليّة, على مستوى الحكومة المنصّبة فإن 16 مليار دولار اختفت بدون وثائق أو مستندات. كما قامت أمريكا بخصخصة القطاع العام وأصدر "بول بريمر" قرارا بخصخصة قطاع النفط غير أن تنفيذ ذلك اصطدم بمعارضة عمّال النفط, كما تمّت خصخصة الحرب إذ أن ثلث القوّات المتواجدة في العراق جاءت عن طريق شركات متعاقدة مع الجيش الأمريكي والبريطاني لتشغيل مرتزقة في عمليات عسكريّة وحراسة أنابيب النفط... رغم ضخامة عدد القوّات والعتاد فإن مقاومة الإحتلال بدأت بسرعة ولم يقابل الجنود الأمريكيون بالترحاب والورود كما كانوا يروّجون-أو يتوقّعون- بل سرعان ما بدأت العمليات العسكريّة ضدّهم مما جعل الإحتجاجات (ضدّ الحرب) العالميّة و خاصّة الأمريكيّة منها, تتواصل بدون هوادة, ورغم اصطفاف بعض القيادات التقليديّة والقوى الطائفيّة والأحزاب المقنّعة بقناع الإسلام, فإنّ المقاومة ضمّت كذلك كافّة الأطياف من اليسار الماركسي إلى البعثيين والناصريين والوطنيّين على مختلف مشاربهم. ورغم العمليّات العسكريّة الأمريكيّة الضخمة والمداهمات والحصار المستمر لعديد المناطق والمحافظات والمدن واستعمال الأسلحة المحرّمة و الفتّاكة (الأنبار, بغداد, الفلوجة) فإنّ عمليّات المقاومة تطوّرت نوعيّا وأصبحت المروحيّات الأمريكيّة تصاب باستمرار. و "المنطقة الخضراء" تلك القلعة التي يتحصّن بها الأمريكان وعملاؤهم أصبحت هدفا للعديد من الهجمات النوعيّة. ورغم تكتّم القوّات الأمريكيّة عن خسائرها وعن عدد الجرحى فإنها أصبحت تلاقي صعوبات في تجنيد الشبّان. لإرسالهم إلى العراق (وأفغانستان). و رغم الإغراءات (خاصّة للشبان الفقراء من المهاجرين و من السود) فإنّ عدد رافضي الخدمة يتزايد. ومنذ سنة تقريبا أصبحت أمريكا وحكومتها المحليّة المنصّبة تواجه المزيد من الإضرابات العمّاليّة والإعتصامات والمظاهرات احتجاجا على ظروف العمل والأجور التي تدهورت واحتجاجا على موجة الخصخصة للمؤسسات العموميّة, وللسنة الثانية على التوالي فإنّ المظاهرات المطالبة بانسحاب القوّات الأمريكيّة تستقطب مئات الآلاف من العراقيين. أمّا الحكومة المحليّة العميلة في كردستان فإنّها أصبحت تلاقي معارضة متعاظمة من قبل العمّال والموظفين والمثقفين احتجاجا على تدهور ظروف الحياة وغياب الحريات الأساسيّة الفرديّة والجماعيّة والمحاكمات الإعتباطيّة والإعدامات لمعارضيها. لقد بدأت الإمبرياليّة الأمريكيّة تعترف بفشل مخطّطاتها في العراق وتحوّل إجماع الحزبين الديموقراطي والجمهوري إلى شرخ في المؤسسة الأمريكيّة وانتقلت حكومة "طوني بلير" من المساندة المطلقة إلى المساندة النقديّة وتبعتها بعض حكومات أوروبا الوسطى والشرقيّة التي كانت لا تلوي العصا الغليظة التي تمسك بها أمريكا. إن هذا التحول لم يحصل إلا بفعل المقاومة العراقيّة, ولذلك فإنّ هزيمة أمريكا في العراق تعتبر هزيمة لمشروعها العدواني وضربة قاسية للإمبرياليّة المهيمنة في الظرف الحالي (الإمبرياليّة الأمريكيّة), من شأنها أن تعطي نفسا وأملا للشعوب المضطهَدة التي تناضل من أجل تحررها الوطنيّ والسيطرة على خيراتها, وتقرير مصيرها, وهو ما يحصل حاليا في مناطق من أمريكا الوسطى والجنوبيّة, حيث يصعب على الإمبرياليّة الأمريكيّة فتح العديد من الجبهات في نفس الوقت, بينما هي غارقة في العراق وأفغانستان, وبعد العدوان الأخير على لبنان وما أصاب الجيش الصهيوني من النكسات فإنّ المغامرة ضدّ سوريا أو إيران أصبحت أصعب من ذي قبل. أما في السودان والصومال فإن أمريكا تحاول استعمال القوى المساندة لها والتي تتقاطع مصالحها معها للقيام بالمهام القذرة مكانها. |