"الإرادة" الوطنيّة

العدد الأوّل  ماي 2007

الحقّ في محاكمة عادلة لا يزال مطلبا للإنجاز

 

كثر الحديث الأيّام الأخيرة من طرف وسائل الاعلام الرسميّة وتلك التي تدور في فلكها عن " دعم منظومة حقوق الإنسان في تونس وذلك عبر تنقيح الفصل 57 من مجلّة الإجراءات الجزائيّة الذي تم بموجب القانون عدد 17 لسنة 2007 مؤرّخ في 22/03/2007"

 ويتمثّل " الإجراء الثوري" و" المكتسب الجديد" في منظومة حقوق الإنسان حسب ما جاء بالفقرة 2 جديدة من الفصل 57 فيما يلي:

إذا اقتضى تنفيذ الإنابة سماع المضنون فيه فعلى مأموري الضابطة العدليّة إعلامه بأن له الحقّ في اختيار محام للحضور معه والتنصيص على ذلك بالمحضر فإذا اختار المضنون فيه محاميا يتمّ إعلامه فورا من طرف مأمور الضابطة العدليّة بموعد سماع منوبه والتنصيص على ذلك بالمحضر، وفي هذه الصورة لا يتمّ السماع إلا بحضور المحامي المعني الذي يمكنه الإطلاع على إجراءات البحث قبل ذلك ما لم يعدل المضنون فيه عن اختياره صراحة أو يتخلّف المحامي عن الحضور بالموعد وينصّ على ذلك بالمحضر.

فهل دعم التنقيح المذكور حقوق الدفاع فعلا ؟ وهل ضمن حقوق المحامي بصورة جديّة؟ قبل الاجابة عن هذين السؤالين يجب تقديم ملاحظتين أوليتين:

أولا: إن الحالة المتحدّث عنها هو أن يكون ذو الشبهة في حالة احتفاظ ويعهد قاضي التحقيق لمأمور الضابطة العدليّة بسماعه بموجب إنابة عدليّة .

ومأمورو الضابطة العدليّة المتحدّث عنهم هم 1) وكلاء الجمهوريّة ومساعدوهم 2)وحكـــام النواحــي 3) ومحافظوا الشرطة وضبّاطها ورؤساء مراكزها و4) ضبّاط الحرس وضبّاط صفّ ورؤساء مراكز الحــرس 5) العمدة 6) أعوان الإدارات الذين منحوا بمقتضى قوانين خاصة السلطة للبتّ في الجرائم أو التقرير فيهــا 7) حكّام التحقيق.

 وفي أغلب الأحيان يكون ذو الشبهة بين أيدي الصنفين 3و4 من مأموري الضابطة العدليّة السابق ذكرهم.

 ثانيا: إن قاضي التحقيق لا يتعهّد وجوبيا إلا في الجنايات ونسبتها لا تتجاوز %10 من العدد الجملي للقضايا الجزائيّة.

تلزم الفقرة الجديدة مأمور الضابطة العدليّة (أعوان شرطة أو الحرس في أغلب الأحيان) بإعلام المشتبه به بأنّه يحقّ له إنابة محام للحضور معه عند سماعه من قبل ذلك المأمور وللمضنون فيه إمّا أن ينيب عنه محاميا أو يعبّر عن عدم رغبته في الإستعانة بمحام.

 في الحالة الأولى يتّصل مأمور الضابطة العدليّة بالمحامي الواقع اختياره من قبل المشتبه به ويعلمه بموعد سماع هذا الأخير ويقع التنصيص على هذا الأمر بالمحضر وفي صورة عزوف المعني بالأمر عن تكليف محام أو في صورة ما إذا تخلّف المحامي المعيّن من قبل المضنون فيه عن حضور موعد السماع يواصل الباحث سماع المضنون فيه.

 هذه مجمل الإجراءات الثوريّة المتحدث عنها وهي لا تكفل حقوق المتّهم وذلك للأسباب التالية:

1) إنّ حقّ المضنون فيه في الاستعانة بمحام لدى مأمور الضابطة العدليّة محصور في حالة صدور إنابة عدليّة عن قاضي التحقيق أي في حالة خاصة وتزداد خصوصيتها عندما نعلم أن قاضي التحقيق لا يتدخّل إلا في حالات محدودة وهي حالات الجنايات وبالتالي فإن حضور المحامي مع المشتبه بهم سيكون في حالات قليلة العدد في محاضر الشرطة أو الحرس ولدى باقي مأموري الضابطة العدليّة.

2) إنّ القانون لم يتعرّض لحالة المضنون فيه الفقير الواقع تتبّعه من أجل جناية ولم يكن بوسعه تعيين محام لعسره والحال أن الفصل 69 يوجب تعيين تسخير محام له.

3) يخشى أن يلجأ مأمورو الضابطة العدليّة إلى  "اقناع" المشتبه به تحت الإكراه المادي أو المعنوي أو الإثنين معا بأن يحجم عن تكليف محام أو لا يكلّف المحامي الذي يختاره هو بنفسه حتى لا" يعكّر وضعه" أو بإيهامه أنه سيفرج عنه إذ استجاب لرغبة الباحث.

4) لا يضبط القانون كيفيّة إعلام المحام الواقع إختياره بموعد سماع المضنون فيه من قبل مأمور الضابطة العدليّة مما سيشجّع حتما هذا الأخير على استبعاد المحامي خاصة إذا كان من " غير المرضي عنهم" من قبل السلطة.

 ومن الواضح أن القانون استبعد كل ما يترك أثرا كتابيا ثابتا في الإعلام حتى لا يقوم حجّة ضدّ مأمور الضابطة العدليّة ويفتح باب المطالبة ببطلان الإجراءات.

هذا في ما يتعلق بحقوق المتهم أما فيما يخصّ المحامي فإن تنقيح الفقرة الثانية من الفصل 57، إذا كتب له حضور سماع منوبه، جعل منه شاهد سماع فقط لايحقّ له التدخّل أو تدوين ملاحظات بالمحضر عن حالة منوبه الصحيّة أو حول ظروف سماعه من قبل الباحث المناب.

 كما أن التنقيح وخلافا لمقتضيات الفصل 72 من مجلّة الإجراءات الجزائيّة لم يوجب إعلام حضور المحامي بموعد الاستنطاق أربعة وعشرين ساعة على الأقلّ قبل استنطاق منوبه واستدعائه كما يجب.

والتنقيح وخلافا للفقرة الأخيرة من الفصل 72 من مجلّة الإجراءات الجزائيّة لم يمنح المحامي أجل يوم كامل للإطلاع على إجراءات البحث حتى يتسنى له الإلمام بالملفّ ومحتوياته.

وأخيرا فإن الفقرة 2 الجديدة من الفصل 57 لم تعط للمحامي إمكانيّة تضمين ملاحظاته بخصوص هضم حقوق منوبه أو حقوقه هو نفسه كرفض الباحث المنتدب حضوره عند سماع منوبه ، أو عدم تمكنّه من الإطلاع على الملف إلخ.........

 إن تنقيح الفصل 57 من مجلة الإجراءات الجزائيّة ينطبق عليه المثل القائل "تسمع جعجعة ولا ترى طحينا" إذ أنه بعيد كل البعد عن ضمان الحقّ في محاكمة عادلة وصون حقوق الدفاع وهيبة المحاماة.

 

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org