|
"الإرادة" الوطنيّة |
|
العدد الأوّل ماي 2007 تنقيح مجلّة الشغل : تمخّض الجبل فولد فأرا
بحكم أنّهم يمثلون الأجراء ويدافعون عنهم لدى المؤجّر يتعرّض نواب الأجزاء من جميع الأصناف وخاصّة النقابيون منهم إلى شتى أنواع مضايقات أرباب العمل وإجراءاتهم التعسفيّة تصل إلى حدّ حرمانهم من الحقّ في الشغل وذلك بفصلهم عن العمل. لذا كان من الضروري إحاطة هؤلاء الممثّلين بنوع من الحماية القانونيّة للحدّ من النفوذ الواسع الذي يتّمتع به المؤجّر في إنهاء العلاقة الشغليّة بصورة أحاديّة الجانب ، وللحدّ كذلك من سلطته التأديبيّة. ولقد أدى نضال الشغّيلة في العالم ونقاباتها وأحزابها على المستوى العالمي بمنظّمة العمل الدوليّة إلى تبنّي الإتفاقيّة عدد 135 في سنة 1973 ، وهي إتفاقيّة تقرّ بحقّ ممثلي الأجراء بما في ذلك الممثّلون النقابيين بالتمتّع بتسهيلات من قبل المؤجّرين للقيام بمهامهم هذا من جهة وبحقّهم في الحماية ضد شتى أنواع الإجراءات التي يتخذّها ضدّهم الأعراف بما في ذلك الطرد. ولكن الإتفاقيّة الدوليّة لم تحدّد آليات هذه الحماية والنتائج المترتّبة عن خرقها من طرف المؤجّرين و أوكلت للقانون الوطنيّ الخاص بكل بلد مصادق مهمّة تنظيم تلك الحماية . ورغم أنها سُنّت في عام 1971 من طرف منظّمة العمل الدوليّة أبت الدولة التونسيّة المصادقة عليها خلال أكثر من عقدين بقي خلالها الممثّلون النقابيون مهما كان قطاع النشاط الذي ينتمون إليه ( وظيفة عموميّة ، المؤسسات العموميّة ، القطاع الخاص ) بدون حماية تذكر أما بقيّة أصناف ممثلي الأجراء فلم يحض منهم إلا نواب العملة وأعضاء اللجان الإستشاريّة للمؤسسات الخاضعة لمجلة الشغل بحماية ، وهي حماية محدودة جدا أقرها الفصلان 166 و 167 م.ش أما فيما يتعلق بالتسهيلات اللازمة المسندة لممثلي الأجراء لممارسة مهامهم التمثيليّة فلقد رفضت السلطة إقرارها في الوظيفة العموميّة وأغلب المنشآت العموميّة فيما وقع إقرارها في المؤسسات التي تخضع علاقات الشغل فيها إلى أحكام مجلة الشغل. وهكذا يمتاز التشريع التونسي بميزتين أساسيتين هما: 1- التمييز بين ممثلي العملة في القطاع العام وممثلي العملة في القطاع الخاص. 2- التمييز بين النائب النقابي والنائب غير النقابي في القطاع الخاص. ولقد طالب الشغّالون والنقابيون من خلال جميع هياكل مركزيتهم النقابيّة الإتحاد العام التونسي للشغل وكذلك كل الديمقراطيّين والتقدّميين بحماية فعالة وملائمة لممثلي الأجراء ، مهما كان صنفهم ومهما كان قطاع نشاطهم وذلك بالتصديق على الإتفاقيّة عدد 135 سالفة الذكر هذا من جهة ، ومراجعة تشريع العمل لتنظيم هذه الحماية في القانون الوضعي التونسي . وبعد تلكإ دام 34 عاما صادقت الدولة أخيرا ( في 02/04/2007 ) على تلك الإتفاقيّة وتمّ تنقيح مجلّة الشغل بموجب القانون عدد 19 لسنة 2007 المؤرّخ في 02/04/2007. فهل طابق التنقيح روح ونص الإتفاقيّة عدد 135 وأخذ بعين الإعتبار مطالب وطموحات الشغالين ؟ هذا ما سنتعرض إليه في التحليل التالي. - I حماية محدودة وغير مطابقة للإتفاقيّة الدوليّة تبرز محدوديّة هذه الحماية من حيث الأشخاص المنتفعين بها ومن حيث الحالات التي توجب هذه الحماية ومن حيث آليات هذه الحماية وآثارها . 1- الأجراء المنتفعون بهذه الحماية هم الممثّلون النقابيون، و نوّاب العملة القارين والمناوبين في اللّجان الإستشاريّة للمؤسسة ونوّاب العملة ومناوبيهم في المؤسسات التي ليس بها تلك اللّجان. هذا ونلاحظ أنه لا يمكن تأسيس لجنة إستشاريّة إلا في المؤسسات الناشطة في القطاع الخاص التي تشغّل 40 أجيرا قارا على الأقل ولا يمكن إنتخاب نائب العملة إلا في المؤسسات التي تشغل من 10 إلى 40 عاملا قارا . وبما أن مجلة الشغل لا تطبّق إلا على أجراء القطاع الخاص وبعض المؤسسات العموميّة وبما أن أغلب التشغيل الهشّ وغير القار أصبح هو القاعدة في القطاع الخاص فإن نطاق ''الحماية '' التي جاء بها القانون الجديد محدود. 2- الحالات التي تستوجب الحماية هي حالة طرد ممثّل الأجراء دون غيرها من الإجراءات التي يمكن للمؤجّر أن يتّخذها سواء كان الطرد الذي يقرّره المؤجّر بسبب خطإ فادح ينسبه للأجير أو بسبب صعوبات إقتصاديّة أو فنيّة . لذا فإن العديد من الإجراءات التعسفيّة التي يمكن للمؤجر أن يتخذها ( كالإيقاف عن العمل لمدة معينة والنقلة والحطّ من الصنف المهني أو الرتبة الخ...... ) لا تستوجب '' الحماية '' التي جاء بها القانون . 3- محتوى الحماية أوجب الفصل 166 م.ش. على '' كل مؤجّر يعتزم طرد عضو قار أو مناوب للّجنة الإستشاريّة للمؤسّسة أو نائب قار أو مناوب للعملة أو ممثل نقابي ( عضو بالنقابة أو نائب نقابي ) في الحالات سالفة الذكر أن يعرض الأمر على اللّجنة الإستشاريّة للمؤسّسة إن كانت موجودة لأخذ رأيها كما يتعيّن عليه عرض المسألة على المدير العام لتفقديّة الشغل والمصالحة ليبدي رأيه في أجل لا يتجاوز 10 أيام من تاريخ تعهده على أن يكون ذلك الرأي معللا '' . وهنا أيضا تبرز محدوديّة الحماية التي جاء بها القانون عدد 19 لعام 2007 فاللّجنة الإستشاريّة للمؤسّسة لا تتمتّع إلا برأي إستشاري لا يلزم ولا يقيّد المؤجّر وبالتالي فحتى إن رفضت طرد نائب الأجراء يحقّ للمؤجر أن يتخذ قرار الطرد. هذا ونلاحظ أن المدير العام لتفقديّة الشغل مطالب بإعطاء رأيه فقط في الطرد المزمع اتخاذه من قبل المؤجر وليس التصريح بموافقته على الطرد . 4- آثار عدم إحترام آليات '' الحماية '' في صورة عدم احترام المؤجّر للإجرائين المذكورين آنفا ( عدم أخذ رأي اللّجنة الإستشاريّة للمؤسّسة أو عدم عرض الأمر على المدير العام لتفقديّة الشغل والمصالحة ) أو في صورة مخالفة رأي هذا المدير يعتبر الطرد تعسّفيا و يترتّب عن ذلك لممثّل الأجراء حقّ المطالبة بالتعويض لا أكثر ولا أقل أي لا يترتّب عنه أبدا بطلان قرار الطرد وحقّ ذلك الأجير في العود إلى سالف عمله . يتأكد من قراءة نصّ القانون المنقّح لمجلّة الشغل أن السلطة التنفيذيّة وهي التي تقدّمت بمشروع القانون المنقّح لمجلة الشغل للسلطة التشريعيّة لم تكن ترغب أبدا ولا تحرص على ملاءمة القانون الوضعي مع الإتفاقيّة عدد 135 نصّا وروحا فهل راعت مطالب النقابيين ؟ II- قانون لا يرتقي لمطالب الشغيلة وطموحاتهم إن الشغّلية في تونس ما إنفكت ولا تزال تطالب بحماية فعّالة وشاملة لجميع أصناف ممثّليها وخاصّة النقابيين منهم ولقد سبق لها أن طالبت عبر هياكلها النقابيّة المختلفة بما يلي : 1- أن تنسحب الحماية على نوّاب العملة في جميع القطاعات بما في ذلك الوظيفة العموميّة . 2- أن تشمل الحماية ليس فقط النوّاب المباشرين خلال مدّة نيابتهم بل كذلك الأجراء الذين رشحوا أنفسهم كنوّاب نقابيين أو كممثّلين للأجراء وكذلك النوّاب الذين انتهت مدّتهم النيابيّة خلال العام الموالي لترشّحهم أو لإنتهاء مهامهم. 3- أن تشمل الحماية كل القرارات ذات الصبغة التأديبيّة التي يتّخذها المؤجّر ضدّ ممثّلي الأجراء والقرارات التي تغيّر شرطا أساسيا من عقد الشغل . 4- أن يتحصّل المؤجّر على الموافقة الصريحة والكتابيّة والمسبّقة لمتفقّد الشغّل على القرار الذي يعتزم المؤجّر اتخاذه ضدّ ممثّل الأجراء ، وفي صورة عدم سعيه للحصول على تلك الموافقة أو إتخاذه القرار رغم معارضة متفقّد الشغّل يقع التصريح ببطلان القرار . 5- أن يلتزم المؤجّر بإرجاع نائب الأجراء أو الممثّل النقابي إلى سالف عمله لمّا يصرّح ببطلان القرار المتخذ من طرفه وتمكين ممثّل الأجراء من كافّة حقوقه ومستحقّاته إلا إذا عبّر المعني بالأمر عن عدم رغبته في الرجوع إلى عمله السابق . 6- تجريم رفض المؤجّر إرجاع النائب النقابي إلى سالف عمله إذا ما أبطل قراره بإعتباره اعتراضا على ممارسة الحقّ النقابي أي إنتهاكا لحريّة دستوريّة والحكم على المؤجّر بالسجن والخطيّة أو بالإثنين معا عملا بأحكام الفصل 241 م.ش.
ولقد رفع النقابيون هذه المطالب وغيرها إلى السلطة التنفيذيّة وطالبوا منها الأخذ بها، لكن الطرف المقابل وكالعادة أمعن في إفراغ الحوار الإجتماعي من كل محتواه لأنّه لم يأخذ بأيّة واحدة منها. ولا نشكّ أن الشغّيلة ستواصل نضالها من أجل فرض حماية جديّة وفعليّة لممثّليها وستنتهي بفرض تلك الحماية عاجلا أم آجلا مثلما فرضت على الدولة التونسيّة التصديق على الإتفاقيّة 135. |