"الإرادة" الإجتماعيّة

العدد الأوّل  ماي 2007

لماذا أضرب المدرسون في الأساسي و الثانوي و العالي

 

      نفّذت نقابات التعليم الأساسي و الثانوي و العالي إضرابا ناجحا احتجاجا على سياسية الانتقاء و التسويف و المماطلة التي تنتهجها سلطة الإشراف و دفاعا عن مطالبها المشروعة.

-  التعليم ضحية العولمة الليبرالية الجديدة :

         إن السياسة التعليمية في تونس، تعكس سعي سلطة الإشراف المتواصل للخضوع إلى إملاءات صندوق النقد الدولي و لرؤيته في التربية أصبحت مهيمنة على السياسة الدولية حول التعليم و ذلك بالتراجع عن اختيار أولوية المدرسة العمومية و مجانية التعليم عبر فرض سياسة تعليمية انتقائية تُخضع التعليم إلى ضرورات السوق الرأسماليّة. إن هذه السياسة التعليمية_ التي تكرس التمييز الطبقي، عبر إحداث مدارس إعدادية و معاهد ثانوية و مدارس عليا نموذجية للأغنياء، و مدارس تعليم للفقراء تحرمهم من حقهم المشروع في تحصيل تعليم عالي الجودة يضمن لهم اكتساب معارف  و مهارات، فهذه المدارس المهمّشة التي تفتقر إلى التمويل العمومي و التجهيزات الضرورية_ لا تولد سوى ظروف عمل متردية للمربين  و مصنعا منتجا للبطالة و العنف و الانقطاع المبكر عن الدراسة و الفشل الدراسي و الضياع.

- أزمة التعليم في تونس :

   يقود الخضوع إلى سياسة إمبريالية العولمة إلى أزمة يعيشها قطاع التربية و التعليم بكافة مستوياته تتجلى مظاهرها في :

× تحويل التربية إلى سلعة يحكمها منطق السوق و يعني هذا أن الاستثمارات في التربية يجب أن تخضع لمتطلبات السوق.

×تبعية التعليم لمصالح رأس المال و موارده.

×اختزال التربية في المظاهر الاقتصادية و المهنية و التقليص من قيمتها الثقافية.

× تراجع وظيفة الدولة في التربية لأنها وظيفة غير مرغوب فيها، فالليبرالية الجديدة تقف ضد ثقافة الخدمات العمومية و تدعو إلى خوصصة التعليم.

                إن استتباعات هذه السياسة الليبرالية التعليمية هي :

1.       أولا أصبح التعليم بمثابة مساعدة اجتماعية و ليس حقا إنسانيا.

2.       تطور التعليم الخاص على حساب التعليم العمومي مما يولد ازدياد اللامساواة الاجتماعية في اكتساب المعرفة.

3.       تراجع التعليم و ذلك لأن الشباب يتمدرسون في مؤسّسات حسب الوضع الاقتصادي و الاجتماعي لأوليائهم.

× إن الضحايا الأوائل لهذا الوضع التعليمي المتأزم هي الفئات الشعبية الأكثر هشاشة بل إن المدرسين هم أيضا ضحية هذا الوضع و ذلك ليس لأنهم يعملون في ظروف تزداد سوءا بل لأن هوية المدرسين ذاتهم أصبحت ضعيفة و أكثر هشاشة فقد تقلصت هوية المدرس إلى تقني تعليم.

* إن وعي المربين بخطورة فرض مثل هذه السياسات التعليمية المملاة على أبناء الشعب و حرصا منهم على حماية حقوقهم المعنوية و المادية يواصلون التصدي إلى سياسة الإقصاء و التّهميش و تحول التعليم إلى مجال استثمار يجعل منه تراكما لرأس المال الإنساني يلخص في عبارتي "كلفة و مرابيح".

* أن نضالات مدرسي التعليم الأساسي و الثانوي و العالي ليست إلا دفاعا عن مطالبهم المشروعة المتمثلة في:

v      الدفاع عن التعليم العمومي للجميع كحق اجتماعي لا يجوز التصرف فيه تعليم يضمن و يمول من قبل الدولة و لا يجب أن يخضع لمنطق السوق و الخدمات.

v      الدفاع عن المحافظة على البعد الأساسي الثقافي و الإنساني للتربية القائم على حق الهوية الثقافية و الاختلاف الثقافي الغير محترم قبل العولمة  و السائر نحو الإضمحلال بفعل العولمة.

v      الدفاع عن التعليم كحق إنساني و ليس سلعة وهو حق في الجذور و في المستقبل و في الكونية و في الاختلاف الثقافي و في الأصالة الشخصية.

v      الدفاع عن وجوبية التعليم و مجانيته في كل المستويات.

v      الدفاع عن المساواة داخل المدرسة العمومية.

v      الدفاع عن حق الشغل لكل المتخرجين من الجامعات و الكليات العمومية.

v      الدفاع عن حق المدرّسين في تشريكهم في بلورة المناهج و البرامج التعليمية من أجل تطويرها.

v      الدفاع عن الحق النقابي في الاجتماعات و النضالات داخل المؤسسات التربوية.

v      الدفاع عن حقهم في توزيع عادل للثروة الوطنية.

v      رفض تحويل الليبرالية الجديدة للتربية إلى مجرد بضاعة تهدد الإنسان في كونيته الإنسانية و في الاختلاف الثقافي و في بنائه كذات .

              إن موقف سلطة الإشراف الرافض للمطالب المشروعة للمربين يعكس سياسة الانغلاق و العجز عن معالجة حقيقية و جذرية لقضايا المجتمع المدني عامة (الحريات السياسية، حق التعبير، حق التنظّّم، حق العمل، حق التعليم، حق الصحة) و لقضايا التعليم خاصة (مشاريع "الإصلاح" الفوقية القرارات الارتجالية المتعلقة بامتحانات سنة رابعة أساسي، تنصيب مجالس المؤسسات، دعم المدارس الخاصة التي تكرس تعليما للأغنياء و آخر للفقراء).

               إن مثل هذه السياسات لا يمكن أن تؤدي إلا إلى حالة من الاحتقان تعبر عن انسداد الأفق و تكشف عن فشل السلطة في الاستجابة للمطالب المشروعة لكل مكونات المجتمع المدني و تعبر عن أزمة سياسية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و تربوية ناتجة عن انخراط السلطة في مشاريع العولمة و خضوعها لإملاءات سياسيات المؤسسات المالية الدولية.

               إن حزب العمل الوطني الديمقراطي الذي يناضل من أجل تعليم عمومي و مجاني ذا بعد وطني و ديمقراطي و تقدمي يحقق المساواة  و العدالة و الحرية و التقدم لكل أبناء الشعب. يقف إلى جانب نضالات المربيين من أجل الدفاع عن مطالبهم المشروعة و يدعو كل الوطنيين و الديمقراطيين و التقدمين إلى مساندة الحركة النضالية للمربين و التصدي لسياسة الانتقاء في التعليم.

عاشت نضالات المربين

من أجل تعليم في مجتمع أكثر ديمقراطية و أكثر تساويا و أكثر عدالة

اطبع هذه الصفحة

alirada@hezbelamal.org