|
الإرادة نشريّة سياسيّة إخباريّة جامعة المدير المسؤول : محمد جمور |
|
العدد الثّامن جوان/جويلية 2008 "الإرادة" الوطنيّة : الملتقى الشيوعي الدولي السابع عشر الإدارة الأمريكية غير راضية عن وضع العلاقات التجارية بين البلدين اللجنة الوطنية لمساندة اهالي الحوض المنجمي 14 جوان 2008 أخبار الحوض المنجمي ملخّص التّقرير الأوّل للنقابة الوطنيّة للصحافيين التونسيين اللجنة المختلطة العسكرية التونسية الأمريكية تجتمع قراءة في زيارة ساركوزي إلى تونس "الإرادة" الإجتماعيّة : التلاميذ والأولياء وغصرة الامتحانات الوطنية المفاوضات في القطاع الخاص لا تزال متعثّرة 2007-2008: بوادر موسم فلاحي صعب، سيدي بورويس نموذجا "الإرادة" العربيّة : بعض الحقيقة حول ما حدث في لبنان "الإرادة" الدوليّة : حوار مع تريسيتا تروخيّو (اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي/ قسم العلاقات الدولية) المترشح أوباما يعلن دخوله لبيت طاعة اللوبي الصهيوني "الإرادة" الثقافيّة في الذكرى التسعين لولادة المناضل الوطني المغمور عزالدين عزوز الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب: وثيقتان
|
الافتتاحيّة
الأزمة والبدائل تصدّر الوضع الاجتماعي بمختلف جوانبه اهتمامات الناس في هذه الأيام، حتى بات يغطي على كلّ ما عداه، بل إن مساعي تعويمه كلّها باءت بالفشل حتى تلك التي اتخذت من رياضة كرة القدم وما تثيره مقابلاتها من صخب كثيرا ما كان مدخلا لصرف اهتمام الناس عن القضايا الملحة في أوضاعهم، كلّها لم تجد نفعا، بل إنّ شعارات الاستياء من الأوضاع الاجتماعية المتردية، وشعارات التذمّر من التهميش والتنمية غير العادلة كلّها طفت على السطح في خضمّ المنافسات الكروية الصاخبة. فملفّ البطالة المتفاقمة وعجز المنظومة الاقتصادية والاجتماعية على حلّ معضلة التشغيل شمل آلاف المتخرجين بشهائد عليا فضلا عن أضعافهم من العاطلين عن سائر الفئات العمرية ومن الشباب خاصّة. هذه المعضلة تتكرّر تجلياتها كلّ يوم في أغلب جهات البلاد وخاصّة تلك التي تعاني من تخلف عملية التنمية بها، وقد كانت أحداث الحوض المنجمي بكلّ مكوناتها ذات دلالة بالغة فيما يتعلق بعدم قدرة السياسات القائمة على حلّ المشاكل المتراكمة. كما أنّ تعثر المفاوضات الاجتماعية وعدم نجاعة آليات الحوار الاجتماعي جعلت الاجراء يحسّون بالضيق جراء التدهور المتواصل لقدرتهم الشرائية. فالأجور زهيدة والغلاء متصاعد، ومنظومة الحفاظ على مكتسبات اجتماعية دنيا تضمن العيش الكريم للفئات الشعبية وتحفظ حقوقهم وكرامتهم وحصانة المدافعين عنها، تشهد تدهور مستمرا. ما من شك في أنّ أسباب الأزمة الاجتماعية متشعبة وعميقة تدخل فيها العوامل الخارجية العالمية المؤثرة في اقتصادنا المحلي، ولكن الاختيارات السائدة عندنا مسؤولة كذلك وبدرجة أولى عمّا نحن فيه ومن الضروري مراجعتها بما يتوافق مع مصلحتنا الوطنية. لقد بات واضحا أنّ السياسة الاقتصادية للبلدان الامبرالية وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية سبب رئيسي فيما نحن فيه وفي ما يعانيه العالم من أزمة غذائية باتت تهدّد ما يناهز المليار من البشر بالمجاعة. وقد كشفت قمّة منظمة الأغذية والزراعة المنعقدة في روما خلال الأسبوع الأول من شهر جوان 2008 عن جوانب عديدة من ذلك. فقد فرضت الدول الامبريالية سياسة زراعية ركزت الإنتاج وفرة ونوعا تحت نفوذها وفي بلدانها حصرا في حين شنت حملة تفقير وتعجيز للإنتاج الزراعي في البلدان الفقيرة، حتى باتت أثمان المنتجات الزراعية زهيدة في مرحلة أولى، وضغطت على البلدان الفقيرة من أجل أن تتخلى عن سياسة الاكتفاء الذاتي الغذائي في الحبوب (القمح والأرز خاصّة) وفي الزيوت والألبان واللحوم، وتتجه إلى اقتناء عناصر الغذاء الأساسية من السوق العالمية، أي تستوردها من الدول الغنية وتتحول إلى زراعة منتجات مالية مثل الزهور وغيرها توجيها إلى التصدير نحو البلدان الغنية بحجة أنها أكثر ربحية، بل إنّ البنك الدولي كثيرا ما اشترط لإسناد القروض للبلدان المستدينة تنفيذ هذه السياسة المتخلية عن الاكتفاء الذاتي الغذائي والمنصهرة في هذا المجال وغيره في توثقة العولمة الليبرالية. وبعد أن تمّ ذلك في العديد من البلدان التي تهافتت أنظمتها على الاندماج اللامشروط ودون رؤية وتبصّر في سياسات العولمة المنفلتة، تغيرت الأوضاع، فمع تصاعد أزمة الطاقة والتي هي أزمة مضاربة بالأساس استفادت من الزيادة الطبيعية لاستهلاك النفط في الاقتصاد العالمي، وحوّلتها إلى وسيلة لتحقيق أرباح خيالية للمضاربين بهذه السلعة الحيوية – رغم أن المعروض منها كاف وزيادة، بل سعت إلى تكديس الأرباح على حساب قوت البشر المحتاجين عندما رفعت أثمان السلع الغذائية أضعافا مضاعفة بعد تحويل قسم من انتاج المواد الغذائية نحو انتاج الوقود الحيوي من المنتجات الزراعية، وهكذا وجدت البلدان الفقيرة نفسها بين سندان ارتفاع ثمن الطاقة ومطرقة غلاء المنتجات الغذائية وهي التي رهنت أمنها الغذائي لدى أوصياء البنك الدولي ودوائر القرار والاحتكار الامبريالي المعولم. ما الحل إذن؟ لاشك أن الحلّ يكمن في سياسة اقتصادية وطنية تضع نصب عينها تحقيق الحاجات الأساسية الملحة لمجتمعنا بالاعتماد أساسا على انتاجنا الوطني وتسعى للاستفادة من محيطنا الأقرب. علينا تشجيع وتحفيز وحماية زراعتنا الوطنية، وتوجيه اعتمادات استثنائية لتشجيع شبابنا على الاشتغال بالزراعة ودفع المشاريع المنتصبة في الوسط الريفي والمناطق الحضرية المحرومة واختيار توجيه الجهد الاستثماري الوطني من قبل الدولة والمؤسسات العمومية والخاصّة نحو هذا المجال، بالاعتماد على مداخيل الدولة المتنوعة والعديدة ومن بينها المداخيل الضريبية التي يجب أن تكون عادلة وتصاعدية على أرباح رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وذلك من أجل خلق نسيج اقتصادي متوازن وقادر على الحياة الفعلية في شتى أرجاء البلاد، ويساهم في مواجهة الحاجات المتزايدة لفرص العمل، ويوفر المستلزمات الأساسية لحياة مادية كريمة لعموم الناس. وهذا لا يمكن أن ينجز دون مراجعة عميقة للاختيارات الاقتصادية القائمة في اتجاه تلبية الحاجات الضرورية لمواطني تونس، وتكتيل الجهد العمومي عبر مختلف أجهزة الدولة ومختلف الامكانيات الخاصّة، لتحقيق تنمية شاملة بكلّ المناطق المحرومة، والعناية بالفئات الكادحة وتأطيرها وتشريكها في سنّ السياسات وتنفيذها ولا بدّ من مراجعة شاملة لطرق التسيير، لا بدّ من ترشيد انفاق المال العام وحمايته ومقاومة كلّ مظاهر الفساد والمحسوبية واعلاء قيم المواطنة والتساوي إزاء القانون وتكافؤ الفرص حتى لا تشعر أي جهة بالغبن ولا يحسّ أي كان بالحيف، ولا بدّ من إقرار آليات ناجعة لمراجعة المظالم وإصلاحها إن حصلت حتى لا يندفع الناس إلى الإحباط وردود الفعل المدمرة. ولهذا كلّه فإن توجها سياسيا ديمقراطيا يعيد الاعتبار لحقّ المواطنة ويحدث هزّة ايجابية من خلال إقرار اجراءات انفراجية عاجلة لتنقية الحياة السياسية وينفتح على كلّ المكونات الحزبية المدنية والجمعوية المستقلة والنقابات الممثلة لمنظوريها أصبح اليوم من أوكد الأولويات. إنّ بعث أطر للحوار والمعالجة العملية السياسية والميدانية لكلّ من يطرحون مشاكلهم المتفاقمة وذلك عبر تشريك الهياكل الحائزة على ثقة الناس والتي ساهموا في اختيارها هو خير سبيل لمواجهة الأزمات مهما تنوعت وتفاقمت. إنّ تطوّر تونس وتوفير مستلزمات العيش الكريم لشعبها وضمان أمنها في مواجهة رياح الهيمنة والتخلف لا يمكن أن تكون من انجاز طرف واحد مهما بلغت قوته، ولا يمكن أن تكون نتيجة لتوجهات ليبرالية متهافتة على الاندماج في منظومات العولمة الرأسمالية، ولا نتيجة لسياسات تسلطية لا تتعاطى مع الأحداث إلا بالوسائط الأمنية. إنّ تشريك كلّ القوى الحيّة في وطننا والحوار معها حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، والتوجهات السياسية الضامنة لرفاه شعبنا ومناعة وطننا هي الضمانة الحقيقية لتحقيق أهدافنا الوطنية، وهذه مسؤولية السلطة القائمة بالدرجة الأولى، ولكنها مسؤولية كلّ الأطراف السياسية الواعية بدقة المرحلة التي نواجهها، شريطة أن يتخلى الليبراليون منها عن المقولات الجاهزة التي قادتنا إلى التوترات الحالية والتي تحثنا على الاستسلام القدري لمآسي العولمة، إن الذين يقولون “إنّه لا مفرّ لأي حكومة في تونس سواء أكانت من اليسار أو من اليمين من الانخراط في سياسة العولمة الليبيرالية والاستجابة لإملاءتها” هؤلاء يمثلون بنظريتهم هذه مقدمة لتجديد الأزمة وتأبيدها، إنهم مشروع ورطة وليسوا مشروع حلّ. ونحن في حاجة لرؤية جديدة ترى الخلاص من الصعوبات ممكنا بالاعتماد على طاقة شعبنا والثقة في قدرته على ذلك بعيدا عن رهن مصيرنا بيد أي قوة هيمنية تسلطية مهما كانت. - أبو خالـد- |